بقلم: أحمد بن سليّم
تأسست بورصة دبي للذهب والسلع، كأول بورصة مشتقات في المنطقة، وعلى مدى عشرين عاماً، عملت على توسيع نطاق منتجاتها لتشمل العملات، والسلع، والمنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. اليوم، وبفضل تلاقي الأداء القوي في السوق، والطلب المتزايد، والسعي نحو تقديم منتجات مبتكرة، إلى جانب الدعم التنظيمي الاتحادي، والشراكة مع مُزوّد تقني مالي موثوق، تقف البورصة على أعتاب مرحلة جديدة من التداول، تؤهلها لتكون لاعباً مؤثراً في مجتمع صانعي الأسواق العالميين.
مع تجاوز أسعار الذهب حاجز 4000 دولار للأونصة، استعاد هذا المعدن الثمين مكانته بثقة، كملاذٍ آمن للقيمة، في ظل حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي. وفي الوقت نفسه، تم ترسيخ أسس تجارة الذهب الفعلية في دولة الإمارات العربية المتحدة، على نحو مستدام، تماشياً مع توقعات مصرف الإمارات المركزي، التي تنص على تخزين جميع السبائك الذهبية المحتجزة، في خزائن معتمدة من مركز دبي للسلع المتعددة. وبالاقتران مع الشراكة الاستراتيجية لمركز دبي للسلع المتعددة مع فيرميكيولوس (Vermiculus) السويدية، التي تعتمد تقنيات متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، لتعزيز الكفاءة وقابلية التوسع، باتت بورصة دبي للذهب والسلع الآن في موقع يؤهلها للوصول إلى مستوى غير مسبوق من الأمان المادي والقدرات الرقمية، مما يجعلها بورصة تتميز بسيولة أعمق، وكفاءة أعلى، وإمكانية وصول أوسع إلى الأسواق.
على مدى عقود، عملت إمارة دبي على بناء منظومة متكاملة ازدهرت فيها تجارة الذهب، وأصبحت بورصة دبي للذهب والسلع خلالها أهم بورصة للمشتقات في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، في سوق عالمي شديد التنافس، لا تُمنح الريادة بل تُكتسب عبر الابتكار المستمر. وللحفاظ على النمو الاستثنائي الذي شهدته البورصة، والذي تجلّى في زيادة قدرها 30٪ في متوسط أحجام التداول اليومية، خلال النصف الأول من عام 2025، يركّز مركز دبي للسلع المتعددة على خريطة طريق استراتيجية تهدف إلى تقديم أفضل الخدمات لجميع المشاركين، بدءاً من صانعي السوق المؤسساتيين، وصولاً إلى المستثمرين الأفراد. ويتطلع المشاركون إلى منصة تجمع بين السرعة والحجم والشفافية، وبينما تعزز الشراكة الاستراتيجية لتطبيق نظام متقدم البنية التحتية الأساسية لبورصة دبي للذهب والسلع، يظل التركيز منصبّاً الآن على تحقيق سيولة عالية، واكتشاف أسعار متميزة. وفي هذا الإطار، تستعد البورصة لإطلاق عقد ذهب مقوّم بالدرهم الإماراتي للسبائك بوزن كيلوغرام وفق معايير التسليم الجيد لرابطة سوق لندن للسبائك الثمينة (LBMA)، بعد الحصول على الموافقات اللازمة من مصرف الإمارات المركزي وهيئة الأوراق المالية والسلع. سيكون هذا العقد قابلاً للتسليم الفعلي، ويشمل عقوداً فورية، وعقوداً آجلة شهرية تمتد حتى 12 شهراً، مع مزايا عديدة: أولًا، تقليل المخاطر الجيوسياسية ومخاطر التداول بالدولار المرتبطة بالأسواق الأجنبية، وثانياً، تمكين المشاركين المحليين من التداول بالعملة الوطنية لدولة الإمارات، ما يعزز استقرار المنصة وفوائدها المحلية. كما يدعم هذا الابتكار استراتيجية دولة الإمارات الأوسع لتدويل أسواقها المالية، وتعميق سيولة الدرهم الإماراتي، وتعزيز دوره في تسويات تجارة السلع الإقليمية.
بالإضافة إلى ذلك، ستصبح بورصة دبي للذهب والسلع مؤهلة لإطلاق عقد ذهب مرجعي يومي، على غرار العقود الصادرة عن رابطة سوق لندن للسبائك الثمينة (LBMA) وبورصة شنغهاي للذهب (SGE). ومن خلال منظومتها المتكاملة رأسياً على المستويين المادي والمالي، ستوفر بورصة دبي للذهب والسلع للسوق العالمية نقطة مرجعية دقيقة وملائمة إقليمياً، ما يعزز قدرة صانعي السوق على التحوط وتحديد الأسعار بدقة، ويحد من فروقات الأسعار، ويرفع حجم التداول الكلي. وستُمكّن هذه الخطوة بورصة دبي للذهب والسلع من جذب البنوك العالمية الموثوقة وصانعي السوق ومقدمي السيولة الرئيسيين. كما ستضمن البورصة التزام آلية المؤشر المرجعي بمبادئ المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية (IOSCO) الخاصة بالمؤشرات المرجعية، بما يعزز الشفافية والحوكمة وقابلية التدقيق، ويكسب ثقة المشاركين الدوليين.
في عالم المعادن الثمينة المادية، يمثل الوقت عاملاً مباشراً للمخاطر، فالتأخيرات المرتبطة بعمليات التسوية التقليدية تقيّد رأس المال وتزيد التعرض للطرف المقابل. لذلك، تلتزم بورصة دبي للذهب والسلع بتنفيذ التسوية في نفس اليوم أو بشكل فوري، وستوفر، مستقبلاً، مجموعةً كاملة من عقود الذهب والفضة بنظام T+0، على غرار تلك المعروضة في بورصة إسطنبول. وتسام هذه الخطوة في خفض مخاطر الطرف المقابل بشكل كبير، كما تتيح للمشاركين الوصول الفوري إلى رأس المال، ما يعزز الكفاءة ويخفض التكاليف. وباعتبارها جزءاً أساسياً من العملية، يضمن الإطار المتين لإدارة المخاطر لدى شركة دبي لمقاصة السلع، بما في ذلك الهامش اللحظي، وهيكل صندوق التعويضات، والالتزام بمعايير المبادئ الخاصة بالبنى التحتية للأسواق المالية (PFMI)، والحفاظ على نزاهة ومرونة بيئة التداول الجديدة على مدار الساعة.
لتعزيز التواصل العالمي الفعلي، تدرس بورصة دبي للذهب والسلع وشركة دبي لمقاصة السلع إمكانية تمديد ساعات التداول، لتفتح بالتزامن مع سوق هونغ كونغ، وتستمر حتى إغلاق أسواق نيويورك. وتمنح هذه التغطية على مدار الساعة بورصة دبي للذهب والسلع ميزة تنافسية فريدة مقارنة بأسواق مثل بورصة السلع (COMEX)، عبر توفير فرص مستمرة لتحديد الأسعار والتحوط في جميع المناطق الزمنية. وسيشمل ذلك تداول الدرهم الإماراتي ضمن سوق يهيمن عليه الدولار الأمريكي، مما يوفر منصة للتحوط محلياً. ومن الجدير بالذكر أن جميع العقود القابلة للتسليم الفعلي، بما في ذلك العقود الآجلة الجديدة المقومة بالدرهم، ستُسلّم مباشرة إلى خزائن مركز دبي للسلع المتعددة، ما يضمن تكاملاً تاماً ودقة عالية في دورة الحياة المادية والمالية للأصول.
تكمن فرصة جديدة لتوسيع مشاركة السوق في قطاع التجزئة، عبر الاستفادة من الثقة الكبيرة في نظام حفظ الأصول لدى مركز دبي للسلع المتعددة. وكخطوة أولى، قد تطلق بورصة دبي للذهب والسلع الذهب والفضة المرمّزين المجزئين باستخدام تقنية الرموز الرقمية، ما يتيح للمستثمرين الأفراد شراء كميات صغيرة مثل الغرامات، مع ضمان أن يكون كل رمز مدعوماً بالكامل بالذهب والفضة الفعليين المحفوظين في خزائن مركز دبي للسلع المتعددة. ويتم تنفيذ ذلك من خلال نظام آلي كامل وقوي، يعمل وفق هيكل مقاصة الأوراق المالية المركزي (CSD)، مع التعامل مع متطلبات معرفة العميل (KYC) وتسوية التداولات للمستثمرين الأفراد، بدعم من بنك أو جهة وصاية معتمدة. وستسهم هذه الخطوة الاستراتيجية في تعميق السيولة الإجمالية، وتقديم مستوى أمني غير مسبوق، وضمان دعم الأصول المادية للمستثمرين الأفراد. كما صُممت المبادرة لتتوافق مع الإطار التنظيمي القادم للأصول الافتراضية، الصادر عن هيئة الأوراق المالية والسلع (SCA)، والمعايير العالمية مثل Travel Rule الخاصة بمجموعة العمل المالي (FATF)، لضمان الحفاظ على الشفافية وحماية المستثمر.