الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أثرياء أمريكا ومتاهة السعادة

2 يونيو 2026 22:45 مساء | آخر تحديث: 2 يونيو 22:49 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
على الرغم من أن ازدياد الثروة في المراحل المبكرة من حياة الأفراد والدول يعزز السعادة، إلا أن استمرار ازدياد الثروة لا يجعل الأفراد أو الدول أكثر سعادة بشكل دائم. فقد اكتشف أستاذ الاقتصاد ريتشارد إيسترلين من جامعة بنسلفانيا وجامعة جنوب كاليفورنيا أنه عند نقطة معينة، تؤدي زيادة الثروة إلى انخفاض مستوى السعادة.
تاريخياً، جرى التعامل مع السعادة باعتبارها نتيجة جانبية للازدهار المادي. كان المنطق بسيطاً: اكسب المزيد، استهلك المزيد، وستأتي السعادة تلقائياً. طوال القرن العشرين بدا هذا الافتراض صحيحاً إلى حد بعيد. فقد أدت زيادة الدخول واتساع الطبقة الوسطى وتطور التكنولوجيا إلى تحسين مستويات المعيشة بشكل كبير. لكن مع بدايات القرن الحادي والعشرين برزت مفارقة واضحة: كثير من المجتمعات حققت ثروات غير مسبوقة، لكنها شهدت في الوقت نفسه ارتفاعاً في القلق والوحدة وعدم الرضا. وهكذا اتضح أن السعي إلى السعادة عبر التراكم المادي وحده طريق ناقص.
قد تتضح هذه المفارقة بشكل أفضل من خلال بيانات الولايات المتحدة. فقد تجاوز إجمالي ثروة الأسر الأمريكية 182 تريليون دولار بنهاية عام 2025، بزيادة قدرها 466%، صعوداً من 39 تريليون دولار في عام 1980. ومع ذلك، في عام 1980، وصف 82% من الأمريكيين أنفسهم بأنهم يشعرون بالرضا والسعادة، مقابل 44% فقط اليوم، أي بانخفاض يقارب النصف. وبالمثل، في عام 1980، وصف 20% فقط من الأمريكيين أنفسهم بأنهم يشعرون بالوحدة، بينما تبلغ هذه النسبة اليوم 40%، أي ضعف النسبة السابقة. وإحدى السمات الأساسية للسعادة الوفيرة هي المرونة. ففي أوقات الأزمات—سواء كانت ركوداً مالياً أو أوبئة أو حروباً—تميل المجتمعات التي تتمتع بروابط اجتماعية قوية إلى التعافي بسرعة أكبر. فالأفراد فيها يدعمون بعضهم بعضاً ويتقاسمون الموارد ويحافظون على الأمل. هذه المرونة الجماعية تحوّل السعادة من شعور فردي إلى بنية تحتية اجتماعية.
ومن المفارقات أن ازدياد ثروة الأمريكيين جعلهم أقل سعادة، وساهم في تفشي ظاهرة الوحدة. ما السبب في ذلك، وما الحل؟
بحسب برنامج ازدهار الإنسان في جامعة هارفارد، فإن السعادة والرضا عن الحياة ليسا ماديين بالكامل. صحيح أن العمل والسكن الأساسي والرعاية الصحية والصفات المادية مهمة، لكنها لا تقل أهمية عن العلاقات الأسرية والصداقات، والمشاركة المجتمعية، والانتماء الديني. ويمكن تعزيز هذه العوامل على أفضل وجه من خلال بيوت حاضنة، وتعليم جيد، وبيئات عمل داعمة. أما بناء الشخصية فهو أساسي لتحقيق المعنى والغاية في الحياة.
من الواضح أن باحثي جامعة هارفارد استقوا الكثير من أفكارهم من الذي رأى أن العديد من الفضائل المدنية ضرورية لتحقيق السعادة (مصطلحه الخاص بالازدهار/الرخاء). وتشمل هذه الفضائل الاعتدال، والكرم، والشجاعة، والسخاء، والتواضع، والطموح السليم، والإخلاص، والعدل. ويتطلب غرس هذه الفضائل في المجتمع توحيد الأهداف، والتعليم المتميز، والأسر المتماسكة، والقيادة الرشيدة.
إحدى الطرق التي يمكن للأثرياء من خلالها تعزيز السعادة - سعادتهم وسعادة الآخرين - هي استخدام جزء من ثرواتهم لدعم ازدهار البشرية بشكل مباشر. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي الاستثمار في الشركات والصناديق التي تدعم بصدق وتُعزز الشمولية، والمنتجات والخدمات الصحية، والقيم المدنية السامية.
لقد لعبت التكنولوجيا دوراً متناقضاً في هذا التحول. فمن جهة، ربطت المنصات الرقمية مليارات البشر، ووفرت وصولاً غير مسبوق إلى المعلومات والتعليم والتواصل. ومن جهة أخرى، يمكن للاتصال الدائم أن يضاعف التوتر والمقارنة الاجتماعية. فوسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما تعرض صوراً منتقاة للنجاح تخلق توقعات غير واقعية. والنتيجة دورة من عدم الرضا، يشعر فيها الأفراد أنهم متأخرون دائماً عن الآخرين. وتتطلب السعادة الوفيرة كسر هذه الدورة عبر إعادة تعريف النجاح وفق معايير شخصية لا وفق مقاييس خارجية.
ويوفر مكان العمل مثالاً واضحاً على هذا المبدأ. فقد ركزت النماذج التقليدية على الكفاءة والإنتاج، غالباً على حساب الرفاه. أما اليوم، فتدرك المؤسسات المتقدمة أن رضا الموظفين هو محرك الابتكار. فالجداول المرنة والقيادة الداعمة وفرص التطور المهني تخلق ثقافة من الانخراط والولاء. والعامل الذي يشعر بالتقدير يساهم بإبداع أكبر ويبقى في المؤسسة مدة أطول. في هذا السياق، تصبح السعادة ميزة تنافسية لا ترفاً.
ويمكن لرأس المال الخاص المُدار بوعي أن يحقق النجاح والنفع في آنٍ واحد، أي أن يحقق عوائد معقولة مُعدلة حسب المخاطر، مع المساهمة في حل التحديات المادية والتعليمية والبيئية والاجتماعية والشمولية التي تواجه البشرية. ولحسن الحظ، يمكن إنجاز الكثير بموارد قليلة نسبياً. تُشير أبحاثي إلى إمكانية تحقيق جميع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في أقل من عقد من الزمن إذا لم يُخصص المستثمرون ذوو الثروات الطائلة أكثر من 1.6% من إجمالي أصولهم القابلة للاستثمار سنوياً لاستراتيجيات الاستثمار المؤثرة المُوثقة، أما النسبة المتبقية البالغة 98.4% فيمكن إنفاقها أو استثمارها كيفما يشاؤون.
* «ريال كلير بوليتكس»
تيرنس كيلي
تيرنس كيلي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة