عبدالله السناوي

«لن تنتصروا.. سوف نسحق كل من يهدد أمن إسرائيل». كانت تلك رسالة قلقة من النتائج الأخيرة للحرب على غزة أطلقها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الإسرائيلي في وجه الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي قبل وقف إطلاق النار بأقل من شهر.
بالتكوين السياسي، البرغوثي من أبرز قيادات «فتح» العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة في رام الله.
وبحساب الزمن، فإنه أمضى 23 عاماً في معتقلات إسرائيلية شديدة الحراسة، أغلبها في العزل الانفرادي، يكاد لا يعرف شيئاً عن مجريات حربي الإبادة والتجويع على غزة.
في شريط مختصر لواقعة الاقتحام، بدا الأسير الفلسطيني نحيفاً ومنهكاً، وآثار الجوع والتعذيب بادية على هيئته، حتى كادت أسرته ألا تتعرف إليه.
لم تكن مصادفة، أو محض تعنت، أن ترفض الحكومة الإسرائيلية الإفراج عن رموز بعينها في صفقة تبادل الأسرى والرهائن الأخيرة، أبرزهم البرغوثي. كانت تلك مصادرة مقصودة لأية فرص تعمل على توحيد الفلسطينيين باختلاف فصائلهم أمام تحديات مصيرية تتهدد وجودهم كله.
معنى حضور البرغوثي بشعبيته ورمزيته في المشهد الفلسطيني أن تتوفر قيادة جامعة تحظى بالقبول الشعبي الواسع أمام تحديات وجودية تستدعيها المفاوضات الجارية.
إثر واقعة اقتحام زنزانته جرى الاعتداء عليه بدنياً بقسوة بالغة إلى حد كسر أربعة ضلوع من جسده النحيل، حسب شهادات أسرى محررين.
ملف الأسرى وما يجري داخل السجون من تنكيل وتعذيب وتجويع يستحق وقفه إنسانية واسعة.. هذه ليست قضية البرغوثي وحده، إنها قضية كل فلسطيني وعربي وإنسان حر.
إذا لم يكن هناك توحد فلسطيني داخلي، صلب وحقيقي، فإن إسرائيل سوف تجني بالضغوط السياسية ما عجزت عنه بالسلاح والتدمير والتجويع.
في مفاوضات شرم الشيخ، التي سبقت توقيع مصر وقطر وتركيا كدول ضامنة لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب على غزة، بدا لافتاً استدعاء قيادات من «الجهاد» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» للمشاركة بجوار «حماس»، حتى لا يكون الموقف باسم فصيل واحد.
القضية الفلسطينية على محك المفاوضات التفصيلية على خطة ملغمة، أخطر ما فيها تغييب أي أفق سياسي، لا إشارة إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وليس هناك مسار يفضي إلى دولة فلسطينية.
كل ما هو مطروح نزع سلاح المقاومة بكل فصائلها، وفرض نوع من الوصاية على غزة، وعزل مصيرها عن الضفة الغربية. إذا ما استمرت المناكفات السياسية والإعلامية بين الفرقاء الفلسطينيين، فإن النتائج سوف تكون وخيمة. الخلاف طبيعي ومشروع، لكن التفلت بدواعي الانتقام مسألة أخرى تماماً.
ضبط إيقاع المشهد الفلسطيني وفق رؤية وطنية جامعة يحتاج إلى قيادة جديدة، وتفاهمات تقتضيها التحديات الماثلة. 
بقوة الشواهد، ترفض إسرائيل أي احتمال لظهور قيادة قوية ومصدقة. لهذا السبب بالذات عملت على إبقاء البرغوثي أسيراً، ولم تكن وحدها!
في صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في أكتوبر 2011 أفرجت إسرائيل عن 1027 أسيراً فلسطينياً بينهم يحيى السنوار، الرجل الذي خطط وقاد عملية السابع من أكتوبر 2023، فيما عارضت الإفراج عن البرغوثي.
أي دور يمكن أن يلعبه البرغوثي إذا ما أفرج عنه الآن؟
«إنه متحدث عنيد باسم الشعب الفلسطيني، ومنفتح بالوقت نفسه على التفاوض مع العدو» بتوصيف صحيفة سويسرية. بإرثه السياسي قريباً من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، شارك بدور بارز في الانتفاضتين الأولى والثانية وأيد اتفاقية «أوسلو» 1993 قبل أن يتبدد أي رهان عليها.
وفق استطلاع رأي للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2021، فإنه سيكتسح أي انتخابات عامة تجرى لانتخاب رئيس سلطة جديد.
في لحظة حاولت زوجته فدوى البرغوثي أن تستلهم تجربة الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا. نظمت حملة دولية لم يكتب لها أي نجاح تحت عنوان لافت: «الحرية لمروان البرغوثي.. مانديلا فلسطين».
أهم درس في تجربة مانديلا استعداد رفاقه إلى التراجع للخلف خطوتين، أو ثلاث خطوات، لإفساح المجال أمامه للحديث باسم عذاب شعبه وحقه في العتق من الفصل العنصري.
كانت فكرة صديقه وزعيمه أوليفر تامبو رئيس المؤتمر الوطني الإفريقي في المنفى «أن العالم يتفهم القضايا الكبرى عندما تطرح عليه بوضوح وإقناع بعدالتها، لكنها قد تلهم خياله عندما تجسد أمامه في طلب الحرية لإنسان يرمز إلى أمة معذبة». خشية «شخصنة القضية» تبدت حساسيات ومعارضات داخل السجون وخارجها. في النهاية أثبت التاريخ صحة الرهان على مانديلا.
الفكرة نفسها مرشحة لنجاح فلسطيني مماثل الآن استناداً إلى قوة زخم وعنفوان التضامن الشعبي الواسع، الغربي بالذات، شرط أن يدرك الفلسطينيون أن القضية فوق الفصائل والحسابات الصغيرة.