عبدالله السناوي

بموقف واحد، حاسم ومكلف، صحح صورته في التاريخ وأعاد اعتباره لدى قطاعات واسعة بالعالم العربي لم تكن توليه ثقتها.
في 18 إبريل/نيسان 1996 فاجأ العالم كله بموقف استدعاه ضميره قبل أي شيء، كان ثمنه عدم التجديد له لفترة ثانية أميناَ عاماً للأمم المتحدة، كأول مصري وعربي وإفريقي يتولى هذا المنصب الدولي الرفيع.
في ذلك اليوم ارتفع صوته تنديداً بالمجزرة الإسرائيلية في قرية «قانا» جنوب لبنان. تجاوز غضبه كل ما هو معتاد في أية جرائم مماثلة ضد الإنسانية ترتكبها إسرائيل بالذات.
لم يكن معتاداً فيمن تولوا المنصب قبله، إدانة إسرائيل بالاسم مهما بلغت جرائمها من بشاعة. ولا كان معتاداً طلب تقرير مسهب عن الجريمة الإسرائيلية المروعة، التي أفضت إلى استشهاد 106 من المدنيين اللبنانيين، طلبوا الحماية والأمان في مقر تابع للقوات الدولية «اليونيفل»، لكنهم وجدوا الموت يحصد أرواحهم.
على عكس الصورة، التي لاحقت مسيرته السياسية بدا شجاعاً إلى أبعد حد، صارماً في موقفه، أياً ما كانت عواقبه.
أقر التقرير، الذي قدمته قيادة «اليونيفل» في لبنان عن وقائع الجريمة، أحداثها وملابساتها وأوجه التعمد فيها. كان ذلك تحدياً مباشراً لسطوة القوة الأمريكية على المنظمة الدولية.
هددته مادلين أولبرايت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، بدعم رئاسي كامل من بيل كلينتون، من أنه إذا أقر التقرير واعتبره من وثائق المنظمة الدولية، فإنه لن تجدد له ولاية ثانية، وهو ما حدث فعلاً في العام نفسه.
مضى بقوة الضمير واحترامه لمنصبه إلى آخر المطاف. خسر منصبه ولم يخسر احترامه لنفسه. كانت تلك صورة مغايرة لما بدت عليه في عيون الرأي العام المصري والعربي.
هكذا لم يكن لائقاً تجاهل ذكرى رحيله العاشرة، لا استعيدت تجربته ولا استخلصت دروسها الأساسية فيما بين السياسة والضمير.
بمصادفات المقادير رحل الأمين العام الأسبق الدكتور بطرس غالي في 16 فبراير/شباط 2016 اليوم السابق مباشرة لرحيل الأستاذ محمد حسنين هيكل.
في رحاب مؤسسة «الأهرام» جمعتهما فكرة تأسيس أول مجلة عربية متخصصة تحت اسم «السياسة الدولية». مع كثرة الأدوار والمناصب، التي تولاها، لم يكتسب أية شعبية، أو ثقة عامة فيه لأسباب بعضها لا تعود إليه ولا تدخل في مسؤوليته كإرثه العائلي.
هو من عائلة قبطية عريقة تورط مؤسسها، رئيس الحكومة الأسبق بطرس باشا غالي في قضيتين حساستين.
الأولى، محاكمة دنشواي، التي ألهمت الضمير الوطني مجدداً فكرة جلاء قوات الاحتلال البريطاني وضروراته حتى لا يعلق المصريون على أعواد المشانق ويجلد آخرون بالسياط على مرأى من ذويهم. الثانية، دعوته إلى تمديد امتياز قناة السويس لأربعين سنة إضافية.
في عام 1910 اغتيل على يد صيدلي شاب اسمه إبراهيم ناصف الورداني ينتمي إلى الحزب الوطني، الذي أسسه الزعيم الوطني مصطفى كامل. كان ذلك أول حادث اغتيال سياسي في مصر الحديثة.
«قولوا لعين الشمس ما تحماشي لأحسن غزال البَر صابح ماشي». هكذا أنشد بسطاء المصريين يوم إعدام الورداني.
إنه إرث وجداني عميق أثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في شعبية بطرس غالي الحفيد ومنسوب الثقة العامة فيه.
أفضت الظروف والملابسات، التي صاحبت تجربته وزيراً للدولة للشؤون الخارجية إلى ظلال إضافية.
إثر استقالة وزير الخارجية إسماعيل فهمي، ووزير الدولة للشؤون الخارجية محمد رياض احتجاجاً على مبادرة الرئيس الأسبق أنور السادات لزيارة القدس وإلقاء خطاب أمام الكنيست دون تشاور مسبق، أو اقتناع بجدواها، كلف بطرس غالي بإدارة ملف وزارة الخارجية مصطحباً الرئيس إلى القدس.
كان قبوله التكليف في مثل هذه الظروف داعياً إلى الإدانة المسبقة وافتقاده لأية شعبية وقبول عام خارج الوسط الأكاديمي، أو مجموعات الدبلوماسيين، الذين اقتربوا منه.
أتاحت ظروفه بعد انقضاء عصر السادات أن يروي شهادته الخاصة في كتابه «طريق مصر إلى القدس» سجل فيها ملاحظات جوهرية على أسلوبه في إدارة التفاوض.
لم يكن السادات يبدي اهتماماً بالتفاصيل، أو يلتزم بأية قواعد وأصول. بدا خاضعاً تماماً لأهواء اللحظة لا وفق استراتيجية محددة.
الأسوأ الطريقة، التي عامل بها دبلوماسييه واصفاً إياهم ب«الميكانيكية»، كما كتب غالي مستغرباً نحت التعبير الساخر من مصطلح «الميكانيزم»، الذي كان شائعاً وقتها وسط المثقفين.
تجربته في التفاوض بكل ظلالها تستحق المراجعة والتدقيق فيها لتجيب عن سؤال: أين كانت الأخطاء القاتلة؟
بدورها تستحق تجربته في الأمم المتحدة مراجعة أخرى، لتجيب عن سؤال: ما حدود مسؤوليته عن غياب أي موقف يعتّد به في مواجهة مذبحة رواندا عام 1994، التي راح ضحيتها مئات الآلاف من عرقيتي «التوتسي» و«الهوتو»؟
لمرة أخرى في العام التالي 1995 تردد سؤال مماثل عن مدى تقاعسه أمام مجزرة «سربرنيتسا» المروعة في يوغوسلافيا السابقة؟
حمل وحده مسؤولية فشل المجتمع الدولي، وجرى بالخداع تبرئة القوى الكبرى من أية مسؤولية.
في مجزرة «قانا» ثأر لنفسه، وأعلن الحقيقة بلا مواربة، وتحمل مسؤولية موقف الضمير بشجاعة استثنائية ترد اعتباره في مرآة التاريخ.