عبدالله السناوي
بموقف واحد، حاسم ومكلف، صحح صورته في التاريخ وأعاد اعتباره لدى قطاعات واسعة بالعالم العربي لم تكن توليه ثقتها.
في 18 إبريل/نيسان 1996 فاجأ العالم كله بموقف استدعاه ضميره قبل أي شيء، كان ثمنه عدم التجديد له لفترة ثانية أميناَ عاماً للأمم المتحدة، كأول مصري وعربي وإفريقي يتولى هذا المنصب الدولي الرفيع.
في ذلك اليوم ارتفع صوته تنديداً بالمجزرة الإسرائيلية في قرية «قانا» جنوب لبنان. تجاوز غضبه كل ما هو معتاد في أية جرائم مماثلة ضد الإنسانية ترتكبها إسرائيل بالذات.
لم يكن معتاداً فيمن تولوا المنصب قبله، إدانة إسرائيل بالاسم مهما بلغت جرائمها من بشاعة. ولا كان معتاداً طلب تقرير مسهب عن الجريمة الإسرائيلية المروعة، التي أفضت إلى استشهاد 106 من المدنيين اللبنانيين، طلبوا الحماية والأمان في مقر تابع للقوات الدولية «اليونيفل»، لكنهم وجدوا الموت يحصد أرواحهم.
على عكس الصورة، التي لاحقت مسيرته السياسية بدا شجاعاً إلى أبعد حد، صارماً في موقفه، أياً ما كانت عواقبه.
أقر التقرير، الذي قدمته قيادة «اليونيفل» في لبنان عن وقائع الجريمة، أحداثها وملابساتها وأوجه التعمد فيها. كان ذلك تحدياً مباشراً لسطوة القوة الأمريكية على المنظمة الدولية.
هددته مادلين أولبرايت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، بدعم رئاسي كامل من بيل كلينتون، من أنه إذا أقر التقرير واعتبره من وثائق المنظمة الدولية، فإنه لن تجدد له ولاية ثانية، وهو ما حدث فعلاً في العام نفسه.
مضى بقوة الضمير واحترامه لمنصبه إلى آخر المطاف. خسر منصبه ولم يخسر احترامه لنفسه. كانت تلك صورة مغايرة لما بدت عليه في عيون الرأي العام المصري والعربي.
هكذا لم يكن لائقاً تجاهل ذكرى رحيله العاشرة، لا استعيدت تجربته ولا استخلصت دروسها الأساسية فيما بين السياسة والضمير.
بمصادفات المقادير رحل الأمين العام الأسبق الدكتور بطرس غالي في 16 فبراير/شباط 2016 اليوم السابق مباشرة لرحيل الأستاذ محمد حسنين هيكل.
في رحاب مؤسسة «الأهرام» جمعتهما فكرة تأسيس أول مجلة عربية متخصصة تحت اسم «السياسة الدولية». مع كثرة الأدوار والمناصب، التي تولاها، لم يكتسب أية شعبية، أو ثقة عامة فيه لأسباب بعضها لا تعود إليه ولا تدخل في مسؤوليته كإرثه العائلي.
هو من عائلة قبطية عريقة تورط مؤسسها، رئيس الحكومة الأسبق بطرس باشا غالي في قضيتين حساستين.
الأولى، محاكمة دنشواي، التي ألهمت الضمير الوطني مجدداً فكرة جلاء قوات الاحتلال البريطاني وضروراته حتى لا يعلق المصريون على أعواد المشانق ويجلد آخرون بالسياط على مرأى من ذويهم. الثانية، دعوته إلى تمديد امتياز قناة السويس لأربعين سنة إضافية.
في عام 1910 اغتيل على يد صيدلي شاب اسمه إبراهيم ناصف الورداني ينتمي إلى الحزب الوطني، الذي أسسه الزعيم الوطني مصطفى كامل. كان ذلك أول حادث اغتيال سياسي في مصر الحديثة.
«قولوا لعين الشمس ما تحماشي لأحسن غزال البَر صابح ماشي». هكذا أنشد بسطاء المصريين يوم إعدام الورداني.
إنه إرث وجداني عميق أثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في شعبية بطرس غالي الحفيد ومنسوب الثقة العامة فيه.
أفضت الظروف والملابسات، التي صاحبت تجربته وزيراً للدولة للشؤون الخارجية إلى ظلال إضافية.
إثر استقالة وزير الخارجية إسماعيل فهمي، ووزير الدولة للشؤون الخارجية محمد رياض احتجاجاً على مبادرة الرئيس الأسبق أنور السادات لزيارة القدس وإلقاء خطاب أمام الكنيست دون تشاور مسبق، أو اقتناع بجدواها، كلف بطرس غالي بإدارة ملف وزارة الخارجية مصطحباً الرئيس إلى القدس.
كان قبوله التكليف في مثل هذه الظروف داعياً إلى الإدانة المسبقة وافتقاده لأية شعبية وقبول عام خارج الوسط الأكاديمي، أو مجموعات الدبلوماسيين، الذين اقتربوا منه.
أتاحت ظروفه بعد انقضاء عصر السادات أن يروي شهادته الخاصة في كتابه «طريق مصر إلى القدس» سجل فيها ملاحظات جوهرية على أسلوبه في إدارة التفاوض.
لم يكن السادات يبدي اهتماماً بالتفاصيل، أو يلتزم بأية قواعد وأصول. بدا خاضعاً تماماً لأهواء اللحظة لا وفق استراتيجية محددة.
الأسوأ الطريقة، التي عامل بها دبلوماسييه واصفاً إياهم ب«الميكانيكية»، كما كتب غالي مستغرباً نحت التعبير الساخر من مصطلح «الميكانيزم»، الذي كان شائعاً وقتها وسط المثقفين.
تجربته في التفاوض بكل ظلالها تستحق المراجعة والتدقيق فيها لتجيب عن سؤال: أين كانت الأخطاء القاتلة؟
بدورها تستحق تجربته في الأمم المتحدة مراجعة أخرى، لتجيب عن سؤال: ما حدود مسؤوليته عن غياب أي موقف يعتّد به في مواجهة مذبحة رواندا عام 1994، التي راح ضحيتها مئات الآلاف من عرقيتي «التوتسي» و«الهوتو»؟
لمرة أخرى في العام التالي 1995 تردد سؤال مماثل عن مدى تقاعسه أمام مجزرة «سربرنيتسا» المروعة في يوغوسلافيا السابقة؟
حمل وحده مسؤولية فشل المجتمع الدولي، وجرى بالخداع تبرئة القوى الكبرى من أية مسؤولية.
في مجزرة «قانا» ثأر لنفسه، وأعلن الحقيقة بلا مواربة، وتحمل مسؤولية موقف الضمير بشجاعة استثنائية ترد اعتباره في مرآة التاريخ.
عبدالله السناوي
«الخطوة الأولى إلى تحريرنا.. أنت بها بدأت»..«يا أيها الغارق في دمائه جميعهم كذبوا وأنت قد صدقت».
بتلخيص يلامس المشاعر المصرية والعربية في وقت هزيمة عسكرية فادحة، هكذا أنشد الشاعر السوري الكبير الراحل نزار قباني مودعاً الفريق عبدالمنعم رياض.
إنه إلهام الشهيد والشهادة، أو أن يواجه رئيس أركان القوات المسلحة المصرية قدره على جبهة القتال الأمامية، أمام جنوده لا وراءهم.
لم تكن مصادفة اختيار يوم استشهاده 9 مارس/آذار 1969 يوماً للشهيد.
المعاني الكبرى لا تموت بتغير الأزمان. إذا لم ندركها فإننا نهدر كل قيمة في حياتنا المعاصرة.
وإذا لم ندرك معاني التضحية في سبيل الأوطان فإن حمم النيران بالإقليم سوف تداهمنا بغير استعداد وتأهب.
مصر في قلب الاستهداف ومشروع «إسرائيل الكبرى» ماثل. هذه حقيقة التدليس عليها خطيئة كبرى متكاملة الأركان.
استعادة إلهام رياض في ظروف الإقليم الحالية تكاد أن تكون شبه محتمة لسلامة النظر إلى ضرورات حماية البلد وحفظ أمنه ووجوده نفسه.
عندما استشهد خرج ملايين المصريين لوداعه في جنازة مهيبة بميدان التحرير، ربما لم تسمع اسمه من قبل. بدا استشهاده محزناً وملهماً في الوقت نفسه، أعاد للمصريين ثقتهم بقواتهم المسلحة وفي قدرتها على تحرير الأراضي المحتلة.
شارك جمال عبدالناصر في الجنازة الحاشدة، ذاب بين الجماهير الحزينة دون حراسة تقريباً بينما الجماهير تهتف من أعماق قلبها:«رياض مامتش والحرب لسه مانتهتش».
إنه معنى الشهيد والشهادة. المعنى ذاته تكرر في الانتفاضة الطلابية عام 1972. كان هناك عرض فني على مسارح جامعة القاهرة عنوانه: «البعض يأكلونها والعة»، هو أقرب إلى الاسكتشات الساخرة من بعض ما كان يجرى في الجبهة الداخلية وقتها. كانت صورته تتصدر شاشة على خلفية المسرح عند انتهاء كل اسكتش، والرسالة هنا أن ما يجرى في الجبهة الداخلية من تجاوزات لمسؤولين كبار في السلطة فيه تنكر لمعنى القتال والشهادة..في كل مرة تعرض صورته كان التصفيق مدوياً.
إثر هزيمة يونيو/حزيران1967 كان صعوده إلى موقعه، بجوار نخبة من القيادات العسكرية، التي تتميز بمعايير الكفاءة وحدها، تعبيراً عن تصحيح جدي لما كان يجري داخل القوات المسلحة من قبل.
كان تقدير رياض أن جولة جديدة من الحرب في سيناء محتمة لاعتبارين لا يمكن تجاهلهما.
*الأول: استعادة الأراضي المحتلة في سيناء بقوة السلاح، وذلك هو نص تكليفه برئاسة أركان حرب القوات المسلحة.
*والثاني: استعادة الثقة بالنفس وضمان سلامة المجتمع بالنظر إلى مستقبله، كان ذلك موضوع نقاش مستفيض أجراه مع عبدالناصر.
بكلمات قاطعة في معانيها ومباشرة في رسائلها: «أرجوك يا سيادة الرئيس ألا تقبل عودة سيناء بلا قتال حتى لو عرضوا عليك الانسحاب الكامل منها بلا قيد أو شرط». ف«عودة سيناء بلا قتال تفضي إلى انهيارات اجتماعية وأخلاقية وخسارة أية قضية في المستقبل». «لا مستقبل لشعب يتعرض لاحتلال أراضيه ثم لا ينهض لحمل السلاح مستعداً لدفع فواتير الدم».
بعض أسباب الانهيارات الأخلاقية في بنية المجتمع المصري بعد حرب أكتوبر تعود إلى أن الذين حصدوا غنائمها لم يكونوا هم الذين عبروا الجسور فوق القناة.
رؤيته اكتسبها من خبرته ك«ضابط مدفعية» حسب شهادة الأستاذ محمد حسنين هيكل.«قبل أن يطلق داناته عليه أن يحسب المسافات بدقة ناظراً إلى الأفق المفتوح وخلفه الأهداف العسكرية». «المساحات أمامه متسعة داخلة في الكون، والسماء تنطبق على الأرض، والمدافع، التي تقصف ما تستطيع أن تصل إليه، والصواريخ، التي تجتاز حدوداً وبلداناً حتى تصل إلى مواقعها، دعته لإدراك أهمية الجغرافيا وخرائطها».
«بحكم ثقافته واطلاعه، وهو قارئ تاريخ مهتم ومدقق، فإن الصلة بين التاريخ والجغرافيا حاضرة في حواراته».«عرفت عبدالمنعم رياض لأول مرة عن طريق خاله حسن صبري الخولي، الممثل الشخصي لجمال عبدالناصر، وكان إعجابه بزعيم يوليو ظاهراً في كلماته وإيماءاته، يؤيد تجربته ومقتنع بها ويشاركه الأفكار ذاتها، وإن أردت أن تستخدم المصطلحات السياسية الحالية فإنه ناصري».
«كان رياض هو الرجل الذي توصل إلى أنه إذ لم يكن بوسع قواتنا مجاراة إسرائيل في قدرة سلاحها الجوي فإن بمقدورها إلغاء أثره وفارق تفوقه اعتماداً على الدفاع الجوي وشبكة صواريخ متقدمة، وهو الرجل الذي وضع الخطوط الرئيسية لخطة عبور قناة السويس وتحرير سيناء، التي طورها الفريق سعد الدين الشاذلي في حرب أكتوبر».
هكذا بالحرف، كأنه يطل على المستقبل وحروبه في المنطقة. ثم إنه كان يدرك بعمق ما وراء الحوادث من تفاعلات وثغرات.
«سيادة الرئيس.. إننا في هذا الذى رأيناه لهم.. رأينا مقتلهم». سأله «عبدالناصر»: «أين ذلك؟».أجاب: «الغرور!».
كان ذلك تعقيباً على ما عرضه اللواء حسن البدري، الذي أسندت إليه مهمة تقصى أسباب الهزيمة العسكرية في يونيو، من تسجيلات للجنرالات الإسرائيليين بأصواتهم وصورهم على شاشة في بيت الرئيس بمنشية البكري.
لا يلخص رياض وحده الملحمة العسكرية المصرية في الأيام الصعبة، التي لحقت هزيمة يونيو طلباً لتحرير الأرض بقوة السلاح، لكنه جسد برحيله على جبهة القتال الأمامية في لحظة مصيرية فارقة إلهام الشهيد والشهادة.
عبدالله السناوي
«هل الصحفي هو الذي يبحث عن الأخبار، أم أن الأخبار هي التي تبحث عنه؟». كان ذلك سؤالاً وجهته إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل في 17 يوليو/ تموز 2010، وطائرة خاصة تقلنا إلى العاصمة الليبية طرابلس للقاء أخير مع العقيد معمر القذافي، قرب هبوب العواصف على المنطقة كلها.
أجاب بخبرة السنين: «الاثنان».
كان داعي السؤال، ما أعلن للتو في واشنطن ولندن أن شركة «بي بي»، قد استخدمت نفوذها لدى إسكتلندا للإفراج عن المتهم الليبي في قضية لوكيربي عبدالباسط المقراحي في صفقة وقّعت بمقتضاها ليبيا عقود تنقيب عن البترول مع الشركة البريطانية العملاقة.
كانت تجربة شيخ الإذاعيين المصريين والعرب فهمي عمر، تلخيصاً تراجيدياً للسؤال والإجابة معاً.
في مطلع حياته المهنية، وجد المذيع الشاب نفسه صبيحة 23 يوليو/ تموز 1952 أمام قرار مصيري، أن يسمح، أو يمانع بذريعة العودة إلى رؤسائه في بث بيان الحركة، فموقعه لا يخوله سلطة أن يبت في بث بيان أول جملة فيه: «اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير في الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين».
تحمل مسؤولية الموقف بلا تردد، رغم وجود عوائق تقنية تمنع البث، لم يحاول أن يناور بها، لاكتساب أي وقت.
سأل قائد القوة التي اقتحمت مقر الإذاعة القديم البكباشي أنور السادات: هل أقدمك باسمك؟ رد عليه باقتضاب: «بل ممثل القيادة».
بافتراض أن حركة يوليو- كما كان يطلق عليها في البداية- لم يقدر لها النجاح في إزاحة النظام الملكي، فأي مصير كان ينتظر المذيع الشاب؟
لم يكن يعتقد عندما قدم لبيان ثورة يوليو، أنه يخاطر بمستقبله كله.
حتى سنواته الأخيرة وهو يروي قصة ذلك اليوم الاستثنائي في التاريخ المصري الحديث، لم ينسب لنفسه أية بطولة، أو يضفي عليها أية صفات خاصة. بحسه الوطني، أدى واجبه وانتهى الأمر.
في لحظة واحدة التقى الصحفي مع الخبر والرجل مع قدره. في لحظة أخرى بعد عشرين سنة- بالضبط- وجد نفسه على موعد جديد مع التاريخ، لكنه من نوع مختلف.
في عام 1972 تصادف تكليفه بتغطية دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في ميونيخ.كانت الإذاعة وقتها تتولى وحدها مهمة إطلاع الرأي العام على مسابقاتها ونتائجها وكواليسها. لم تكن هناك فضائيات تبث المسابقات على الهواء مباشرة كما هو الآن.
كان يفترض فيمن يغطي الدورات الأولمبية للإذاعات أن تكون لديه القدرة على وضع المستمع في أجوائها، كأنه موجود بالمكان. هذه كل مهمته، غير أن قدره وضعه في قلب زلزال سياسي شغل العالم كله.
قامت مجموعة فلسطينية تطلق على نفسها «أيلول الأسود» باختطاف عدد من أعضاء البعثة الإسرائيلية داخل القرية الأولمبية، حيث كان يقيم ويعمل. كانت معضلته أن يغطي ما يحدث بأكبر قدر ممكن من الأمانة المهنية، وسط مشاعر عربية وحساسيات دولية لا سبيل إلى إنكارها.
لم يكن غائباً عنه أن تأسيس «أيلول الأسود» يعبّر عن غضب عارم في صفوف حركة «فتح» ضد الأحداث الدامية، التي شهدتها العاصمة الأردنية عمّان قبل التوصل بشق الأنفس إلى وقف حمامات الدم، إثر قمة عربية طارئة في القاهرة 1970 بذل خلالها «جمال عبدالناصر» مجهوداً خارقاً أفضى إلى رحيله المبكر في الثانية والخمسين من عمره.
قيمة شهادة فهمي عمر عن أحداث ميونيخ، التي سجلها في كتيب صغير تناول بعض محطات تجربته، أنها تابعت أدق الأسرار والكواليس، رصدت التداعيات ومواقف الأطراف المتداخلة وتحولاتها، بأكبر قدر ممكن من المهنية.
لم تكن هذه مهمة سهلة، فالحدث بالغ الحساسية أمنياً وسياسياً، وتداعياته استدعت انحيازات متضادة على المسرحين الإقليمي والعالمي.
بدت تغطيته مثالاً على كفاءته المهنية في الإلمام بموضوعه، وما يحيط به من تحديات وأسرار.
بنفس الكفاءة المهنية واصل إسهاماته في ريادة العمل الإعلامي، حيث قدم برنامج «ساعة لقلبك»، الذي يعد واحداً من أشهر البرامج الإذاعية في التاريخ المصري الحديث، وبرامج أخرى استقرت في الذاكرة العامة ك«مجلة الهواء».
ينسب إليه تأسيس إذاعة الشباب والرياضة، وهو باليقين أهم إعلامي رياضي من دون منازع.
لسنوات طويلة اعتاد المصريون الاستماع إليه عبر إذاعة «البرنامج العام» عند الساعة السابعة وخمس دقائق، متابعة نتائج مباريات الدوري بلغة تمزج بين بلاغة الشعر وبساطة النفاذ، التي تصل إلى هدفها بيسر وسهولة، في مخاطبة الجمهور العام.
كانت سنوات رئاسته للإذاعة المصرية من أكثر فتراتها حيوية وإبداعاً وقرباً من قلوب المستمعين.
بالانتساب العائلي فهو حفيد «شيخ العرب همام»، إحدى أساطير صعيد مصر في مقاومة طغيان المماليك، مثل أهله وناسه بالمجلس النيابي ملتزماً بذات الإطار العام لقيمه وانحيازاته الوطنية والمهنية. ناهض الأخذ بالثأر، وعهدت عنه الحكمة في تصفية الكراهيات المتوارثة.
في سنواته الأخيرة جرى التنبه لوجوده بيننا، استضافته برامج حوارية واستعادت تجاربه بين الرياضة والسياسة، لكنها لم تكن كافية، للاستفادة منه كما ينبغي، أو كما هو واجب.
عبدالله السناوي
«لا شيء أهم من تحقيق السلام.. كلفة الحروب أضعاف كلفة تحقيق السلام». تبدت في تلك العبارة، التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من فوق منصة أول اجتماع لمجلس السلام العالمي مفارقات وتناقضات مع سياساته المتبعة في أزمات إقليمية ودولية تنذر بعواقب وخيمة.
ما مفهوم السلام الذي يدعو إليه ترامب؟! هذا سؤال ضروري يتجاوز بكثير تأسيس معهد يحمل اسمه مقروناً بالسلام.. «معهد ترامب للسلام» في واشنطن، أو ترديد نداءات السلام بغير سياسات تسندها ومواقف يعتد بها في إنهاء الحروب بالفعل لا بالادعاء.
لم يخف ضجره من مستوى التمثيل وغياب الحلفاء الأوروبيين قائلاً: «هناك قادة لا نرغب بمشاركتهم»! لا يعني طلبه بإلحاح الحصول على جائزة نوبل للسلام أنه يستحقها فعلاً.
في كلمته الافتتاحية بصفته رئيساً لمجلس السلام والمهيمن على جدول أعماله، تطرق مجدداً دون مقتضى إلى جائزة نوبل للسلام وأحقيته بها، لكن بأسباب جديدة أكثر انضباطاً: «أريد إنقاذ الحياة».
أسهب في كيل المديح لنفسه بمبالغات مطولة كرجل أوقف الحروب في كل مكان، فيما سيناريوهات تفجير الشرق الأوسط، لا إيران وحدها، ماثلة ومنذرة.
القوة ركن جوهري في مفهومه للسلام. إنه «سلام القوة»، بصياغة واضحة لا يكف عن ترديدها.
هذا جوهر استراتيجيته في إدارة الأزمة الإيرانية. يتفاوض بالسلاح طلباً لفرض إرادته وأجندته على الطرف الآخر. يطلب صفقة مع الإيرانيين تستجيب بالكامل لما يريد.
إذا ما تمكن بالمفاوضات من تحقيق أهدافه فإنها صفقة «الانضمام إلينا»، بمعنى استعادة أدوارها القديمة كشرطي في المنطقة لصالح الاستراتيجيات الغربية.
ما البديل؟ الحرب ولا شيء غير الحرب لتحقيق نفس الأهداف الاستراتيجية.
مشكلته الرئيسية أنه لا يمتلك أي إجابة لسؤال اليوم التالي. جميع القوى الإقليمية، باستثناء إسرائيل، تتحسب من سيناريوهات الخطر والفوضى، التي لا يمكن التحكم فيها، وهو نفسه لا يعرف ما قد يحدث.
رغم التحريض الإسرائيلي المتصل على الحرب، إلا أنها تخشى في الوقت نفسه من ردات الفعل الإيرانية، التي أسمتها صحيفة يديعوت أحرونوت بالسيناريوهات الكابوسية مدفوعة بذكريات حرب الاثني عشر يوماً وشل الجبهة الداخلية تماماً.
«سنرى أين تصل الأمور بين إسرائيل وإيران». بدت تلك العبارة الترامبية كاشفة بذاتها حقيقة الأزمة، أطرافها الرئيسيون وأبعادها الوجودية. إنها أزمة إسرائيلية قبل أن تكون أمريكية.
المعنى بوضوح أنه إذا استجابت إيران للشروط الإسرائيلية فإن هناك صفقة ما، وإذا ما مانعت فإن الحرب سوف تكون مرجحة.
حسب سير مفاوضات مسقط، التي نقلت جولتها الأخيرة إلى جنيف، هناك تقدم كبير، كما يؤكد الإيرانيون، لكنه مشكوك فيه، كما يقول الإسرائيليون.
المشروع النووي فقط هو ما يجري التفاوض عليه.. أما المشروع الصاروخي البالستي ودعم وتمويل الحلفاء الإقليميين فهما خارج أي تفاوض. البون شاسع بين الموقفين الإيراني والإسرائيلي. المفارقة الجوهرية هنا أن ترامب أكد مرات عديدة أنه نجح في ضرب المشروع النووي الإيراني، فما موضوع التفاوض إذاً؟!
لا شيء غير اكتساب الوقت اللازم قبل توجيه الضربة العسكرية المزمعة. الإلحاح على تقليص المشروع الصاروخي البالستي يترافق مع ضغوط متزامنة لنزع أسلحة الجماعات التي تناهض إسرائيل في فلسطين المحتلة ولبنان واليمن.
«إذا لم تسلم حماس سلاحها كما وعدتني فسوف يتم مواجهتها بقسوة بالغة». كان ذلك تصريحاً ترامبياً آخر ينذر بتقويض وقف إطلاق النار الهش في غزة، ومشروع ترامب كله، الذي تأسس على خطته ذات العشرين نقطة.
من يتولى مهمة نزع سلاح «حماس»؟ لا توجد دولة واحدة من التي أعلنت استعدادها للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية، التي تأخر تشكيلها حتى إبريل/ نيسان المقبل، مستعدة أن تتولى هذه المهمة الملغمة.
حسب تصريح إندونيسي لافت «لن نرسل قوات قتالية إلى غزة ولن نشارك في نزع سلاح حماس». التصريح يكتسب أهميته من اندفاع إندونيسيا بأكثر من أي دولة عربية، أو إسلامية أخرى في دعم خطة ترامب.
حسب تصريح المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة: «لا خيار لنا سوى نزع سلاح حماس».
وهو توجه لا تشاركه فيه أي دولة عربية عضو في ذلك المجلس. هناك اقتراحات وبدائل أخرى لأزمة السلاح، مصرية وتركية بالذات، تستبعد سيناريو نزعه بالقوة.
موقف ترامب يتراوح بين استخدام القوة والتهديد بها والتفهم للحلول البديلة قبل أن يعود إلى الخيار الإسرائيلي في كل مرة.
«السلام في الشرق الأوسط ليس مستحيلاً». كان ذلك تصريحاً آخر لترامب لكنه مبهم ولا يقف على أي أرض صلبة، فجوهر الصراع هو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وقضيتهم بالأساس هي التحرر الوطني.
الأفدح أنه لم يدن بحرف واحد الخروق الإسرائيلية تقتيلاً وتجويعاً لمواطني غزة، في الوقت الذي خص الفلسطينيين وحدهم بالوعيد محملاً إياهم مسؤولية تفشي الكراهية والإرهاب!
كان ذلك إجحافاً بالحقائق التاريخية الثابتة.
معضلة سلام ترامب نفي طبيعة الصراع، والفصل بين غزة والضفة الغربية التي تتعرض الآن لأخطر موجة من الاستيطان والتهويد بفرض السيادة الإسرائيلية عليها.. هذا النوع من السلام لا يمكن أن يمر.
«راض بما أديت من دور في خدمة المهنة، وفي خدمة الوطن، وفي خدمة الأمة.. ثم إنني سعيد أن الظروف أتاحت أن أشارك وأعيش سنوات الإشراق في المشروع القومي العربي، الذي قاده ذلك الصديق الحبيب إلى قلبي والأثير عندي جمال عبد الناصر». هكذا كتب حرفياً في وصية أودعها أمانة مغلقة عند رفيقة حياته تفتح عند رحيله.
تلامس تلك العبارة بمشاعرها وحقائقها عمق اعتزازه بالأدوار التي لعبها في سنوات الإشراق والصعود القومي، التي أهدرت مكاسبها الاجتماعية والاستراتيجية معاً.
بقدر تعدد أدواره المؤثرة اكتسب مكانته الاستثنائية. فهو «أسطورة حية» كما قالت «سارميللا بوز» مديرة كلية الصحافة في جامعة أكسفورد مأخوذة بحضوره المشهد الافتتاحي عام (2007) لأول كلية تنتمي إلى صناعة الإعلام بأعرق الجامعات البريطانية.
وهو «رئيس تحرير أسطوري»، كما دأبت الصحافة الإسرائيلية على وصفه، رغم كراهيتها العميقة لأدواره التي لعبها على مسارح السياسة في النصف الثاني من القرن الماضي. وهو مؤرخ متمكن من أدواته في قراءة وثائق الصراع على المنطقة، التي لم تكن متاحة لغيره بحكم وجوده في قلب صناعة القرار. ثم.. إسهاماته الجوهرية في صياغة نظرية الأمن القومي.
في اختبار الزمن تأكدت قيمته. تبدو مقاطع الفيديو المختصرة، التي تنتشر بكثافة على شبكات التواصل الاجتماعي، لمقولات أدلى بها في محطات مختلفة من تجربته السياسية، كأنها قيلت الآن!
المعنى ينطوي على وجهين.. الأول، أننا ما زلنا في نفس الموقع المأزوم وأمننا القومي منكشف بفداحة أكبر.. وهذه مأساة كاملة لأمة شبه عاجزة عن مواجهة تحدياتها الوجودية.. والثاني، عمق نفاذ نظرته، التي أسسها على فهم عميق لحقائق الصراع على المنطقة.
«إن دولة تقيم وجودها وتؤكد أمنها بالتضاد مع الجغرافيا والتاريخ من الطبيعي أن تستحوذ أدوات القوة والعمل السري على صدارة أولوياتها، وهي هنا الجيش الإسرائيلي والموساد وجهاز الأمن الداخلي» - كما قال وأكد دوماً.
«لقد عرضنا قضية فلسطين خطأ على الشعب المصري حين صورناها له وكأنها تضامن مع شعب شقيق، فتلك ليست القضية الحقيقية، وإنما كانت القضية الحقيقية وصميم الموضوع هو الأمن المصري» - كما حاول بنفس الوقت أن يصوب زوايا النظر.
في اللقاء الأخير بادرني بسؤال واحد: «قل لي ما الذي يحدث؟» جلست على مقعد بجوار سريره أروي وأتحدث، وهو نصف ممدد منتبه للمعاني من وراء الأخبار ولا يخفي قلقه على مستقبل البلد ومصيره.
على مقربة من سريره كتب غربية صدرت حديثاً كان قد بدأ في قراءتها، وبعض الجرائد اليومية المصرية، وشاشة التلفزيون مفتوحة على محطة ال«C.N.N» الأمريكية الإخبارية. حتى لحظاته الأخيرة ظل مخلصاً لمهنته، التي لم ير لنفسه مهنة سواها.
حاول أن يتحدث ويعلق ويحلل كما اعتاد على مدى حياته العامة الطويلة، غير أن المرض الشديد عانده بقسوة.
انتهت القصة كلها عندما استشعر بعمق أن طاقته الإنسانية استنزفت إلى حد يصعب معه أن يحيا بالأسلوب الذي انتهجه في العمل والإنتاج والتأثير شاهداً وشريكاً في الأحداث والتحولات الكبرى التي شهدتها مصر منذ ثورة 1952 بجوار زعيمها جمال عبد الناصر، ومع خلفه أنور السادات حتى حرب أكتوبر 1973، وما بعدها من انقلابات دراماتيكية في السياسات والتوجهات حتى 25 يناير 2011 وما تلاها من انقلابات دراماتيكية أخرى كان شاهداً عليها ومؤثراً فيها.
معنى الحياة انتهى عند رجل يدرك فلسفة الوجود الإنساني وقيمة كل دقيقة في وضع بصمة، أو التأثير في حركة.
في خريف 2015 صارحني أنه يريد أن يتوقف عن أي حضور عام. قلت: «أرجوك ألا تفعل ذلك، طالما أعطاك الله الصحة والهمة فلا تتوقف». سأل مرة أخرى: «لماذا؟» قلت: «معنى الحياة».
ردد الجملة مرتين، ثم صمت كأنه في حوار داخلي لا شأن له بما حوله. بنبرة حزن لافتة قال في مرة سابقة: «ربما تلكأت على المسرح». كانت العبارة قاسية من رجل وهبه الله الهمة العالية إلى الثانية والتسعين من عمره.
- «لا تقل ذلك مرة أخرى يا أستاذ هيكل». «لا توجد أمة تحترم نفسها تسأل مواهبها الاستثنائية عندما يتقدم بها العمر أن تصمت وهي تستطيع أن تتكلم».
«الادعاء بأن للفكر عمراً هو الجهل بعينه، واستعجال الرحيل هو خروج عن كل قيمة إنسانية.. فالله وحده هو الذي يعطي الهمة والعمر».
في ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيله اتصلت بقرينته السيدة «هدايت تيمور» معزياً، بعد أن زارت قبره للتو، قالت لي: «هل تعرف رأيه في علاقاتكما؟» قلت: «نعم». ردت: «ليس كما أعرف أنا».
«إنها تحفة الزمان». الخسارة الشخصية فادحة رغم مرور السنين. الخسارة العامة أفدح بقدر الحاجة الآن إلى نفاذ رؤيته على حافة «الحقبة الإسرائيلية»!
يصعب توقّع ما قد يؤول إليه مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مسقط. كل شيء وارد ومحتمل، والحرب أرجح.
هناك تناقض فادح بين ما تطلبه الإدارة الأمريكية تحت الضغط الإسرائيلي من شروط والتزامات، وما بوسع طهران أن تستجيب له حتى لا يفقد الحكم شرعية وجوده، ودوره الإقليمي، معاً.
لم تكن العاصمة العمانية هي الخيار الأول موضعاً للتفاوض، ولا كان هناك اتفاق بين الطرفين المتفاوضين على جدول الأعمال. هل يقتصر على المشروع النووي.. أم يشمل ملفات أخرى حساسة وملغّمة، كالمشروع الصاروخي الباليستي، ودعم الجماعات المسلحة التي تناهض إسرائيل ك«حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين المحتلة، و«حزب الله» في لبنان، و«الحوثيون» في اليمن؟
بدت إسطنبول في البداية موضعاً مقبولا للتفاوض، نظراً لما أبدته تركيا من جهود دبلوماسية حثيثة، مع أطراف إقليمية أخرى، كمصر وقطر، لترجيح خيار التفاوض بديلاً عن حرب لا يمكن التحكم في تداعياتها الوخيمة على مستقبل الإقليم، إضافة إلى الصلات الخاصة، التي تجمع الرئيسين الأمريكي والتركي، غير أن إيران اعترضت عليه بذرائع غير معلنة، لكنه يمكن استنتاجها.
إنها فجوات الثقة الواسعة بين تركيا وإيران، التي تفاقمت إثر سقوط النظام السوري السابق، وملاحقة النفوذ الإيراني بدعم تركي كامل. لم ترد طهران لأية أطراف إقليمية، خاصة اللاعب التركي، أن تستثمر استراتيجياً في الأزمة لاكتساب مزيد من النفوذ الإقليمي على حسابها، أو سحب إضافي من رصيدها. ولا أرادت أن تتحول المفاوضات إلى «كرنفال إقليمي» تطرح فيه كل القضايا والأزمات، بما يربك حساباتها، ويضعها في موضع المساءلة لا الدعم.
لجأت لعبارات دبلوماسية لتسجيل اعتراضها على موقع التفاوض، لكنها لا تخفي حقيقة الأوضاع والصراعات في إقليم يوشك أن ينفجر.
فضّلت أن يحدث التفاوض في مسقط مقره السابق، قبل حرب الاثني عشر يوماً، التي تشاركت فيها إسرائيل والولايات المتحدة.
كانت تلك رسالة مضمرة أن المسار المقترح لوقف الحرب، هو نفسه المسار السابق، الذي كان جدول أعماله يقتصر على المشروع النووي ولا شيء آخر.
بدا للحظة أن المفاوضات انهارت قبل أن تبدأ، لكن ذلك لم يحدث. كان الاستنتاج- هنا- أن الإدارة الأمريكية لم تحسم أمرها بعد، وتحتاج إلى وقت إضافي لاستبيان الحقائق حولها، أو الوصول إلى تصور أكثر إحكاماً لأية عملية عسكرية قد تقوم بها، حدودها وما بعدها.
كما مدى استعداد الرأي العام الأمريكي لقبول انخراط بلاده في حروب وأزمات دولية، واحدة تلو الأخرى، وتأثيره في فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. تمثل الرهان الرئيسي لإدارة دونالد ترامب في إثبات قدرته على عقد الصفقات ب«سلام القوة»، بالتفاوض أو بالحرب.
ما يعنيه أن يخرج بنصر ما يدعيه أمام جمهوره والعالم، وأمام نظره: النفط الإيراني!
إنه رهان يختلف، تماماً وكلياً، عن الرهانات الإقليمية، تقف على الجانب الآخر بالتناقض شبه المطلق، رهانات إسرائيلية تتبنّى الحرب الواسعة لإطاحة النظام الإيراني خياراً وحيداً. قبل أن يبدأ مسار مسقط أبدت الحكومة الإسرائيلية نشاطاً زائداً، زار المبعوث الرئاسي الخاص ستيف ويتكوف تل أبيب، لتبادل الرأي في المفاوضات المزمعة قبل الاستقرار، بقدر ما هو ممكن، على رؤية موحدة.
في الوقت نفسه كان رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زمير، في واشنطن يتباحث مع قادة «البنتاغون» حول الخطط المقترحة لأية ضربة عسكرية، وما هو مطلوب من الجيش الإسرائيلي إذا ما نشبت الحرب في أية لحظة. لم يكن هناك غموض بأية درجة في الرهان الإسرائيلي. إنها الحرب ولا شيء آخر غيرها.
الفرصة سانحة للتخلص من النظام الإيراني «الذي لا يمكن الوثوق به»، كما يلحّ الإسرائيليون على صانع القرار الأمريكي. هذا هو الخط الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل، التي تتماهى فيه المعارضة بذات موقف الحكومة اليمينية المتشددة، حسب تأكيدات يائير لابيد.
وحسب ما تسرب إسرائيلياً عن الشروط الصارمة، التي وضعها رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، فإنه لا بد من ربط أيّ اتفاق بتخلّي إيران عن اليورانيوم المخصب بشكل عال.. والتوقف عن تخصيبه داخل أراضيها، وإيداع ما لديها من مخزون لدى دولة أخرى، مثل روسيا.
أهم الشروط وأخطرها: وقف إنتاج الصواريخ الباليستية. هذا الشرط- بالذات- يعني استسلاماً بغير قيد للإرادة الإسرائيلية، ينزع عنها أي قدرة على الردع، أو الرد على أي تغولات إسرائيلية ضد مصالحها وأمنها.
ليس في طاقة إيران الاستجابة لمثل هذه الشروط. إنه إلزام مسبق للمفاوض الأمريكي بإفشال أيّ اتفاق محتمل في مسار مسقط. وتحت أيّ ظرف أو ضغط فإن التخلي عن ورقة الصواريخ الاستراتيجية هزيمة كاملة من دون طلقة رصاص واحدة.
الخيارات حرجة، ولكل خيار أثمانه وتكاليفه. «يجب أن يكون خامنئي قلقاً للغاية». كانت تلك رسالة أطلقها ترامب على حافة الأمل المراوغ في تسوية منصفة وعادلة -كما يقول الإيرانيون، والحرب المدمرة في أية لحظة- كما يضغط الإسرائيليون.