يسرا عادل
في صباح 18 أكتوبر، كانت شوارع واشنطن العاصمة وبوسطن وسان دييغو ونيويورك وفيلادلفيا تضجّ بالبشر. لم تكن المسيرات عابرة ولا مطلبية، بل أقرب إلى استدعاء جماعي لذاكرة قديمة عاشت في جينات هذه الأمة منذ أن تمرّدت مستعمراتها على التاج البريطاني قبل قرنين ونصف. من جديد، خرج الأمريكيون ليقولوا العبارة نفسها التي قالتها بنادق الثورة الأولى، ولكن بلسان مدني هذه المرة: «لا ملوك هنا».لم تكن المرة الأولى، فقد جاءت بعد مظاهرات أولى اجتاحت الولايات المتحدة يوم 14 يوليو الماضي، لكن هذه المرة كانت اللافتات تتماوج في كلّ ولاية من الولايات الخمسين، كما لو أن الخريطة نفسها تحوّلت إلى علم واحد كبير. الملايين تدفّقوا إلى الشوارع في يوم أطلقوا عليه «No Kings Day»، مشهدٌ أعاد إلى الذاكرة لحظةَ ميلاد الجمهورية الأولى، حين أصرّ الآباء المؤسسون على أن يكون الشعب هو السيّد، لا التاج ولا الحزب ولا الزعيم.
لكن ما الذي يدفع أمة بهذا الحجم، وفي هذا الزمن، إلى ترديد تلك الصيحة القديمة؟ يرى الكثير من المحللين أن الجواب لا يقتصر على شخصٍ بعينه، بل على إحساس جمعي بأنّ الفكرة الأمريكية نفسها مهدّدة. فالذين خرجوا لم يكونوا جميعهم من حزب واحد أو عقيدة واحدة. في الميادين التقى الديمقراطي والجمهوري، والمستقل، والأم العاملة التي تكافح لتغطية كلف المعيشة، المتقاعد الذي شعر بقلق من تضييق حرية الإعلام، والمتضرر من الإغلاق الحكومي، الشاب الذي نشأ على حكايات الدستور، والشيخ الذي رأى كيف تنحرف السلطة حين يغريها التصفيق. لم يكن احتجاجاً ضد شخص، بل دفاع عن فكرة.
منظّمو التظاهرات، الذين جمعوا أنفسهم تحت مظلة حركة Movement 50501، التي كما ورد في مصادر الحركة تشير إلى فكرة رمزية مركبة في معادلة بسيطة 50 ولاية + 50 احتجاج + حركة واحدة - لم يرفعوا سوى علمٍ واحد، ولم يستخدموا سوى سلاح واحد: التنظيم السلمي. في زمن يتكاثر فيه العنف اللفظي والسلاح الحقيقي، جاءت مشاهد «No Kings Day» كاستعراضٍ نادر للرقي الديمقراطي. لم تُكسر واجهة، لم تُحرق سيارة، لم تُطلق رصاصة. ومع ذلك، بدا المشهد أقوى من أي استعراض عسكري. إن القدرة على حشد الملايين بلا فوضى هي، في ذاتها، إعلان عن أن الوعي ما زال سلاح الأمريكيين الأصدق.
ولعلّ اللافت أكثر أنّ هذه الموجة لم تتوقف عند حدود الولايات المتحدة. فمن باريس وروما، ومن برلين ومدريد، وقف الأمريكيون رافعين اللافتة ذاتها: «لا ملوك». وآخرون اكتفوا بتغريدة أو توقيع على موقع الحركة. لم يكن الأمر مجرّد تضامن رمزي، بل كأنّ الشتات الأمريكي أراد أن يذكّر وطنه الأصلي بما نسيه، وهو أنّ الجمهورية ليست نظام حكم فحسب، بل حالة وعي جماعية تتجدّد كلّما شعر الشعب بأن السلطة تتضخّم على حسابه.
ومن المدهش حقاً أن الشوارع المكتظة والتظاهرات العارمة لم تكن «ضدّ» بل «لأجل»، لأجل الفكرة التي وُلدت مع الاستقلال: أن الشعب لا يبايع أحداً مدى الحياة. ربما لهذا السبب بدت تلك التجمّعات أشبه بطقس مدني هائل أعاد للأمريكيين شعورهم بأنهم شركاء في المصير، لا مجرّد ناخبين في موسم انتخابي عابر.
إنّ ما حدث في 18 أكتوبر لا يمكن اختزاله في حدث سياسي آنٍ. لقد كان أشبه بمرآة نظر فيها الأمريكيون إلى أنفسهم، فرأوا ما كادوا ينسونه: أن أعظم ما يميّزهم ليس اقتصادهم أو جيشهم، بل قدرتهم على تصحيح المسار حين يشعرون بأنّ الدولة تكبر على حساب المواطن.
وفي هذا السياق، أكدت حركة Movement 50501، أنّ النشاط مستمر، وأعلنت دعوة جديدة للتجمع يوم 21 أكتوبر، تحت عنوان «What Comes Next» (ما الذي يأتي بعد؟)، بهدف مناقشة الخطوات التالية للحركة ومراجعة ما تمّ تحقيقه، وتوسيع نطاق المشاركة الرقمية والميدانية. هذه الدعوة تؤكد أنّ حركة «لا ملوك» ليست حدثاً عابراً، بل مسار متواصل لإعادة اكتشاف معنى الجمهورية الأمريكية، من الشوارع إلى الفضاء الرقمي، ومن الميدان إلى وعي الشعب.
فهل تكون هذه اللحظة بدايةً لوعيٍ جمهوري متجدّد؟ ربما. فكلّ الأمم الكبرى تعيد تعريف نفسها حين تمتحن مبادئها، وفي أمريكا اليوم، يبدو أنّ التجديد يمرّ عبر الشوارع لا عبر السلاح، وعبر الهتاف لا عبر الصمت.
لقد قال فيكتور هوغو يوماً: «حتى في أحلك الليالي، يولد في داخل الإنسان شعور بأن الحياة يجب أن تُعاد كتابتها، وأن الحرية لا تُهدى، بل تُستعاد تلك الروح عادت تتنفس في شوارع أمريكا. ربما لم تسقط تيجانٌ ولا عروش، لكنّ ما سقط فعلاً هو الصمت، ربما لن تغيّر نظاماً، لكنها ستضع حداً لاعتقاد أنّ السلطة فوق الشعب، ففي بلدٍ بُني على فكرة الشعب الحاكم، يكفي أن يعود الصوت إلى الميادين كي تستعيد الجمهورية أنفاسها، وأن تُذكّر كل إدارة بأن الأولوية تنبثق دوماً من الدستور، حيث كُتبت على صفحات جوازات سفر الأمريكيين العبارة الخالدة: «We the People».