تتعدد مفارقات القصة القصيرة، لعل أبرزها يعود إلى زمن طويل، ويتمثل في تلك المقارنة الظالمة التي يعقدها الكثيرون بين الرواية والقصة القصيرة، واعتبار هذه الأخيرة رواية مكثفة أو مختزلة، وهذه المقارنة تظهر أيضاً بوضوح في أحاديث ونقاشات معظم المعنيين بفن القصة القصيرة، فإذا سألت أحدهم عن أحوالها أو أوضاعها، أخبرك أننا نعيش زمن الرواية، وأن القصة متراجعة لهذا السبب ولا يلبث أن يعدد لك أسباب صعود وانتشار الرواية، والمقروء عنه بين السطور، أو المسكوت عنه هنا أن القصة في هذا الإطار تابعة للرواية، ولم يستطع أشد المتحمسين لها أن يرصد عوامل ازدهارها وتراجعها من داخلها نفسها وليس قياساً إلى فن آخر، الموضوع أشبه بحوار آخر حول أسباب تراجع المسرح حيث نسمع الحجة الشبيهة والتي تؤكد أن السبب هو صعود الدراما التلفزيونية، هنا نحن أمام عقلية مفاضلة أو مقارنة لا تدرك الشيء في نفسه، وإنما من خلال مقارنته بشيء آخر.
أزمات القصة القصيرة طويلة وممتدة وليست وليدة اليوم، وإذا قرأنا في تاريخ الأدب، وعبر استخدام عقلية المقارنة أو المفاضلة بإمكاننا أن نلمح أن القصة القصيرة لم تكن في يوم من الأيام مقاربة للرواية، وخير دليل على ذلك الأدب الروسي الشهير فنحن نتذكر أسماء عدة لروائيين خلدتهم الذاكرة في مقابل أنطون تشيخوف كاتب القصة الروسي الأبرز، والحال نفسه ينطبق على آداب عظمى أخرى، فمن حيث الرصد الكمي التاريخي كانت الرواية دائماً متفوقة بما لا يقارن، ولا يدفعنا ذلك لكي نردد بسهولة وخفة أن القصة فن النخبة، هذه أيضاً رؤية قاصرة وبعيدة عن الحقيقة. هذا إذا تعاملنا مع المسألة بالمعيار الكمي، إما إذا دقننا في المعيار الكيفي فبإمكاننا أن نلاحظ أن صعود الرواية الآن ليس أكثر من «شو» إعلامي لثقافة متراجعة ككل، لا تجد ما تعزي به حالها إلا الحديث عن زمن الرواية المفتعل الذي يحتل المشهد ليس عن جدارة وجودة في المنتج الروائي، ولكن نتيجة لجوائز وطلب من دور نشر...إلخ.
في الوقت الراهن اعتقد البعض أن التكنولوجيا الحديثة وتوابعها واشتراطاتها في الكتابة، كل هذا سيؤدي إلى ازدهار القصة القصيرة على أساس أن المناخ يشجع الكتابة المختزلة، وهي مفارقة وإن بدت صحيحة في الظاهر إلا أن فيها نظر، فهذه التكنولوجيا ذات أثر سلبي في الكتابة ككل وليس القصة القصيرة وحسب، ونتائجها السلبية، بل والفاجعة لن تلبث أن تظهر في الرواية، إن لم تكن قد ظهرت بالفعل، هي أداة تهبط بالثقافة الراقية، هنا لا مكان لشعر أو مسرح أو فكر أو رواية.
تراجع القصة القصيرة يعود إلى أسباب أخرى تحتاج إلى مزيد من الجهد والدراسة، أسباب تتعلق ببؤس المناخ الثقافي وغياب النقد، وأخرى ترتبط بظروف وتحولات اجتماعية، ونوعية ثالثة من الأسباب ذات صلة قوية بتطور فن القصة من الداخل، أما ترديد مقولات من قبيل أن الصحافة لم تعد تهتم بالقصة، ما أدى إلى تراجعها، فهو مجرد «كليشيهات» محفوظة، فالصحافة أيضاً لم تعد تهتم بالرواية ومع ذلك تزدهر، ومن تلك «الكليشيهات» أيضاً القول أن القصة القصيرة فن شديد الصعوبة، ولكن هناك من سيؤكد لك أن الرواية أصعب، أما الشاعر فسيضع القصيدة بأوزانها وقوافيها وقواعدها وتمكن صاحبها من قواعد اللغة والصور الشعرية بخيالاتها في المقدمة عند الحديث عن الصعوبة، وذلك يؤكد أن لكل فن ظروفه التي تصعد به وتؤدي إلى ازدهاره أو العكس.
علينا أن نراجع معظم مقولاتنا المكررة حول القصة القصيرة، وبحثها بعناية، حتى نضع أيدينا على أسباب أزمتها الحقيقية، ولن نستطيع ذلك إلا من خلال رؤية تنطلق من استقلالية هذا الفن وعدم مقارنته بالرواية، وهو بالفعل فن يستحق منّا ذلك.

mohamedismaael@ yahoo.com