د.صلاح الغول
في زيارته الأولى منذ توليه السلطة إلى روسيا في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، سعى الرئيس الانتقالي السوري، أحمد الشرع، إلى «إعادة تعريف» العلاقات السورية الروسية. ولذلك نفهم تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أنه لم تحصل أي اتفاقيات جديدة، مضيفاً أنّ الاتفاقيات بين موسكو والنظام السابق معلقة، «ولا نقبل بها».
كما سعى الشرع إلى بناء علاقة براغماتية ومتعددة الأوجه مع موسكو. ولذلك، اصطحب وفداً ضم وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ورئيس الاستخبارات حسين السلامة، والأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع شقيق الرئيس السوري والذي يدير الملف الروسي، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بروسيا.
وخلال اجتماعه مع الرئيس فلاديمير بوتين، أكد الرئيس الشرع أن روسيا ستلعب «دوراً مهماً» في مساعدة سوريا على تحقيق أهدافها السياسية. ومن جانبه، صرّح بوتين بأنه «مستعد لبذل كل ما بوسعه» لتنفيذ مبادرات جديدة بين البلدين، في إشارة إلى مناقشات حول مشاركة روسيا في إعادة إعمار قطاع الطاقة السوري.
تقوم العلاقة الحالية بين روسيا وسوريا على ترتيبات وتفاهمات متبادلة منذ سقوط النظام السابق. فروسيا، التي كانت حليفاً رئيسياً لنظام الأسد، حافظت على وجود عسكري في ثلاث قواعد داخل سوريا منذ سقوط هذا النظام، بما في ذلك القاعدة الجوية في حميميم والقاعدة البحرية في طرطوس، تُعدّ حيوية للوجود العسكري الروسي في البحر المتوسط. وقد حاولت روسيا استخدام الحوافز الاقتصادية لضمان حقوق تمركزها العسكري في سوريا في ظل حكومة الشرع. ويشير استمرار الوجود الروسي في سوريا إلى نجاح نسبي لهذا المسعى. ولذلك، ناقشت الزيارة تجديد اتفاق القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس. وأثبتت الحكومة السورية استعداداً متزايداً للانخراط المباشر مع روسيا منذ ربيع 2025 في قضايا اقتصادية وعسكرية وسياسية تعود بالنفع على سوريا.
على أية حال، تضمنت مباحثات الشرع بوتين عدة ملفات لإعادة تعريف أو إعادة تنظيم العلاقات السورية الروسية، يأتي في مقدمتها التعاون العسكري. فقد سعت سوريا للاستفادة من الدروس العسكرية والتقنية من الجيش الروسي، بينما تعمل وزارة الدفاع السورية على بناء جيش سوري جديد وتحديثه. وقد واصل كبار المسؤولين الدفاعيين السوريين والروس مناقشة التعاون الدفاعي المحتمل منذ سبتمبر/أيلول 2025، بما في ذلك تطوير قدرات التدريب والمدفعية والدروع ورفع الجاهزية لدى الجيش السوري، وتوقيع عقود تسليح، مع التركيز على الدفاع الجوي. ولكن من غير المرجح أن تُقدم روسيا أسلحة أو تدريباً مباشراً للقوات السورية، نظراً لحاجتها الحالية إلى إعطاء الأولوية لحربها ضد أوكرانيا.
كما سعت سوريا إلى استمرار الحصول على مساعدات اقتصادية من روسيا لمعالجة النقص الحاد في الموارد، خاصة في قطاع الطاقة. فمنذ مارس/آذار 2025، زودت روسيا سوريا بالنفط الخام والمكرر عبر ناقلات خاضعة للعقوبات، في وقت ترفض فيه معظم الدول تقديم ذلك، بسبب العقوبات الأمريكية والدولية المتبقية على سوريا. وقال الشرع لبوتين خلال لقائهما إن سوريا تعتمد على روسيا في تشغيل محطات الطاقة وتأمين الإمدادات الغذائية. كما سلّمت روسيا إمدادات من القمح المزروع في أراضٍ أوكرانية محتلة إلى سوريا منذ إبريل/نيسان 2025. كما بحث الشرع وبوتين مستقبل مشاركة روسيا في «مشاريع النفط»، وإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة والسكك الحديدية التي تضررت خلال الحرب الأهلية.
وقد تسعى سوريا إلى إشراك روسيا والإبقاء على قواتها داخل البلاد، لبناء توازن عسكري وسياسي أمام إسرائيل. إذ تحافظ إسرائيل على وجود في جنوب سوريا، ويقول مسؤولون إسرائيليون إنهم يريدون إنشاء منطقة منزوعة السلاح هناك. وطبقاً لتقرير رويترز، بحث الشرع مع نظيره الروسي مسألة إعادة نشر الشرطة العسكرية الروسية في جنوب سوريا ك «ضامن» ضد التقدم الإسرائيلي في الجنوب. وقد كانت القوات الروسية تدير نحو 12 نقطة مراقبة على الحدود السورية الإسرائيلية قبل سقوط النظام. وتشير تقارير إلى أن تركيا تدعم الجهود لاستخدام روسيا ل «موازنة» إسرائيل.
ومن المرجح أن تشهد العلاقة بين سوريا وروسيا خلال المرحلة المقبلة تعميقاً في التنسيق السياسي والاقتصادي، في ظل غياب ضغط دولي يدعو إلى قطع العلاقات مع موسكو. وتُركز موسكو على تثبيت نفوذها في الشرق الأوسط عبر دعم دمشق كشريك استراتيجي. وفي المقابل، سيعمل الشرع على إعادة تموضع سوريا ضمن محور «الانفتاح المتوازن» الذي يربطها بروسيا ودول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، لاستقطاب الدعم المالي والاستثماري لمرحلة إعادة الإعمار، غير أن استمرار العقوبات الغربية والضغوط الجيوسياسية قد يحدّ من سرعة هذا التقارب، ما يدفع الطرفين إلى انتهاج سياسة تدريجية مرنة تراعي توازن المصالح الدولية والإقليمية.