يحيى زكي
غيّرت سهولة الحياة الراهنة البشر كما لم يحدث من قبل، ومع هذا التغيير اختلفت معاني الأشياء وتبدلت المفاهيم والمصطلحات، مثلاً ماذا تعني الآن كلمة باحث أو مبدع؟
إذا أخذنا مثلاً من كنّا نطلق عليهم صفة باحثين في الماضي، فسنجد أن الكلمة كانت توظف تبعاً لسياق المعنى، فهناك الباحث العلمي باختلاف حقول الدراسة، وهناك المعنى الأكثر تجريداً: الباحث عن الحقيقة أو العدالة. المعنى الثاني لم يعد موجوداً على سلم أولويات الإنسان المعاصر الذي يعيش ثقافة جديدة أصابته بالتسطيح حتى كتب البعض عن «فلسفة التفاهة». بالنسبة للباحث بالمعنى العلمي فكنا نُعرّفه بأنه ذلك الشخص الذي يقضي سنوات في مختبر أو معمل أو مكتبة أو مركز أبحاث، كان بعضهم يفني عمره في البحث والنظر، ولكنه في ظل هذه المعاناة كان يتوصل إلى نتائج ويكتسب خبرة ومهارات لا تحصى ويشكل قدوة أو نموذجاً للآخرين.
الآن اختفى كل هذا، وأصبح البحث منذ عقود جماعياً، والمفارقة أنه لم يقدم النتائج المميزة نفسها التي كان يصل إليها الباحث الفرد، ثم اعتمد البحث في قطاع كبير منه على التكنولوجيا الحديثة، ويدخل الآن زمن الذكاء الاصطناعي، والنتائج هنا بدورها متراجعة في القيمة عن مرحلة الباحث الفرد أو مرحلة فريق البحث الجماعي وكأننا أمام منحنى هابط، وهو ما يؤكده تخوف الكثير من المفكرين في البلدان المتقدمة والذين يؤكدون على تراجع ملحوظ في البحث العلمي.
الصورة نفسها تنطبق على الإبداع، والذي بدوره يتوزع إلى تعريفات عدة، أحدها يذهب إلى أنه تجربة تستهدف تجاوز عائق أو تسعى إلى حل مشكلة، وخلال هذا التجاوز كان المبدع يعاني، لذلك هناك من ربط بين الإبداع والمعاناة، ولكننا الآن نعيش عصر «الإبداع بالوكالة»: حيث هناك مدرب للإبداع وورش للإبداع وذكاء اصطناعي يفكر بديلاً عنا، كلها مفردات أفقدت تلك الكلمة السحرية «إبداع» بريقها، ولم يعد لها وزن أو قيمة وباتت تطلق على كثيرين ممن لا يستحقونها.
لم يقتصر البحث والإبداع يوماً على أقلية من البشر، ولكن معظم البشر تمتعوا بقبس من هاتين السمتين بدرجة أو أخرى، فمن منا لم يحتج إلى معلومة ما في يوم من الأيام جعلته يفتش في هذا الكتاب أو ذاك، ودفعته للسؤال والحوار والنقاش، ومن منا لم يفكر في شيء جديد حاول أن يصنعه، أو قابلته عقبة فكر في كيفية تجاوزها بأساليب مختلفة.
في الماضي كان البشر جميعهم يمارسون البحث أو الإبداع بطريقة أو أخرى، الآن كل شيء نحتاج إليه نحققه ب«كبسة زر»، ولا مجال لتميز هذا عن ذاك بناء على مجهوده وملكاته العقلية ومهاراته ومواهبه، الجميع يحصلون من خلال التكنولوجيا على الحلول نفسها للمشاكل التي تعترضهم، والجميع يحصلون على النتائج نفسها عندما يستخدمون تلك التكنولوجيا في البحث، والجميع أسرى السهولة والسطحية والصور الموحدة والأفكار المقولبة، وربما لن يمر وقت طويل حتى يفعل الذكاء الاصطناعي كل شيء نيابة عنا، ويعيش أيضاً بالوكالة عنا.