د. محمد السعيد إدريس
مثلما تراقب الهند بدقة وحذر شديدين أي تطور يحدث في العلاقات الأمريكية مع الصين من منظور «الصداقة – العداوة»، باعتبار أن أي تطور في هذه العلاقات إيجابياً كان أم سلبياً سوف يفرض مردوده مباشرة على الهند داخلياً وخارجياً، فإن باكستان، المنافس التاريخي للهند منذ الانسحاب البريطاني وتقسيم «شبه القارة الهندية» عام 1948 بين دولتي الهند وباكستان، تراقب هي الأخرى بدقة شديدة كل ما يحدث من تطور في علاقات الهند بكل من الولايات المتحدة والصين، فباكستان التي تعتبر نفسها حليفاً تاريخياً للولايات المتحدة منذ تأسيس «حلف السنتو» في النصف الأول من عقد الخمسينات من القرن الماضي، لمواجهة الاتحاد السوفييتي، والتي تعتبر نفسها شريكاً استراتيجياً واقتصادياً للصين، حيث تعتبر باكستان أحد المحاور الأساسية للمشروع الصيني الاستراتيجي (مشروع الحزام والطريق)، وحيث يلعب ميناء «جوادر» الباكستاني نقطة ارتكاز وانطلاق إقليمي ودولي لهذا المشروع، فإنها تراقب أيضاً بدقة وحذر أي تطور يحدث في علاقة الهند بكل من الولايات المتحدة والصين، وترى أن أي تقارب هندي مع الدولتين ينعكس سلبياً على باكستان، والعكس صحيح، فأي توتر أو تأزم في علاقات الهند مع الصين أو الولايات المتحدة يكون تلقائياً في مصلحة باكستان.
وفق هذا التحليل كيف يمكن تفسير الأزمة الراهنة المتفجرة بين باكستان وأفغانستان؟
هل الهند قريبة من هذه الأزمة؟ وهل الولايات المتحدة طرف فيها، ومن ثم يمكن اعتبار أن هذه الأزمة الباكستانية – الأفغانية التي تطورت إلى اشتباكات عسكرية وسقوط ضحايا من الطرفين ووساطة قطرية – تركية، نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف الاشتباكات بين متفاوضين من الجانبين الباكستاني والأفغاني في العاصمة القطرية أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية، وليست مجرد أزمة حدود متصارع عليها بين البلدين منذ نشأة الدولة الباكستانية، ومن ثم سيكون من الصعب التوصل إلى حلول مستقرة لها دون حدوث توافق بين الأطراف الدولية والإقليمية ذات الاهتمام وبالتحديد الولايات المتحدة والهند، ومن خلفهما الصين وروسيا وإيران؟
هذا السؤال يأخذنا مباشرة إلى وجود قناعة لدى القيادات الباكستانية بأن الهند طرف أصيل في هذه الأزمة، على نحو توصيف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بقوله إن «الهند تواصل نهج الإرهاب، وتستخدم الإرهابيين في أفغانستان مقاتلين مأجورين» وفق تعبيره، والحديث هنا يتعلق بقوات «حركة طالبان الباكستانية»، المقيمة داخل الأراضي الأفغانية بالقرب من الحدود مع باكستان.
هذا السؤال يأخذنا أيضاً إلى تطورين مهمين آخرين أولهما مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستعادة السيطرة على قاعدة «باغرام» الجوية في أفغانستان التي اضطرت القوات الأمريكية إلى «الهروب ذعراً» منها، والانسحاب كلية من أفغانستان (يوليو/ تموز 2021) بعد صراع دام نحو عشرين عاماً منذ شن الحرب الأمريكية على أفغانستان عام 2002، رداً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عام 2001 على نيويورك وواشنطن. الولايات المتحدة انسحبت من هذه القاعدة مخلفة وراءها عتاداً وأسلحة متطورة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، وأياً كانت جدية أو عبثية هذا الطلب من جانب الرئيس الأمريكي، فإن باكستان حتماً لم تترك هذا الأمر يمر عليها من دون التحسب المبكر له، والعمل من أجل توصيل رسالة إلى البيت الأبيض تقول أن «إسلام أباد» حليف يعتمد عليه إذا قررت واشنطن فتح ملف العودة إلى أفغانستان.
حسابات باكستان بخصوص الأدوار التي يمكن أن تلعبها في أفغانستان دعماً لعودة أمريكية ذات مدلولين، الأول إقليمي يخص التنافس الباكستاني مع الهند من خلال التقارب مع الولايات المتحدة، والثاني دولي يخص التنافس الصيني – الروسي مع الولايات المتحدة في قلب آسيا، وطرح باكستان ورقة قوية ضمن هذا التنافس بالنسبة لكل الأطراف.
التطور الثاني، الذي لا يقل أهمية هو إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الأربعاء 15/10/2025) أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وعده بأن تتوقف الهند عن شراء النفط الروسي، وهذا معناه احتواء التأزم في العلاقات الهندية مع الولايات المتحدة بعد فرض الرئيس ترامب عقوبات اقتصادية قاسية على الهند في شكل رسوم جمركية بلغت 50% بسبب شراء الهند النفط الروسي.
التقارب الهندي مع الولايات المتحدة، وإن كان مجرد احتمال، تراه باكستان تطوراً سلبياً، وهنا يجيء تأزم الموقف مع أفغانستان رداً باكستانياً يستهدف الهند والولايات المتحدة معاً.
تعقيدات الأزمة الباكستانية – الأفغانية على هذا النحو تؤكد أن الوساطة القطرية – التركية لاحتوائها لن تكفي لإحداث انفراج في هذه الأزمة من دون تقدم يحدث في الملفات المعقدة للعلاقات الباكستانية – الهندية، فالوساطة القطرية – التركية يمكن أن تحل بعض جوانب الخلافات الحدودية بين باكستان وأفغانستان، لكنها تبقى عاجزة عن إيجاد حلول ترجع في جوهرها إلى تعقيدات التنافس الإقليمي الذي يزداد سخونة يوماً بعد يوم.