الحسين الزاوي

يكثر الحديث في عصر الرقمنة، عن التأثير والتلاعب الذي يمارس على الحشود والجماهير، بغرض تحقيق أعلى مستوى من الفعالية في التسويق للأفكار السياسية، ودفع الرأي العام إلى تبني أفكار ومواقف من شأنها تحقيق أهداف تتعلق بالسياسة الداخلية للدول، أو أهداف تدخل في سياق الصراع الجيوسياسي بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويأخذ التلاعب دلالات أكثر سلبية وأبعاداً أكثر خطورة، عندما يتجاوز سقف المصالح المجتمعية المشتركة المتعلقة بتجسيد ما يسمى «بمنطق الدولة»، ليرتبط بالأخبار الكاذبة والمعلومات المزيفة في سياق نشاطات تقوم بها جماعات المصالح للحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية غير مشروعة. وتكمن الخطورة الكبيرة في المرحلة الراهنة، لهذا النوع من الأخبار، في استنادها إلى منصات رقمية واسعة الانتشار وشبكات تواصل اجتماعي، تستقطب ملايين المتابعين والمعجبين، ينتمون إلى مجتمعات متعددة وفئات عمرية مختلفة.
يشير «آلان بوجي» إلى أن أساليب التلاعب تستعمل في مجالات عدّة من أبرزها الإشهار، التسويق والسياسة، ويستشهد بمقولتين لغوستاف لوبون، حيث تؤكد الأولى أنه لكي تكون الفكرة الموجّهة نحو الحشود مقنعة، فإنه يجب أن تكون بسيطة ومكرّرة، مُذهلة وقوية من الناحية الانفعالية، وتقول الثانية إن الحشود لا يمكنها أن تُقاد إلاّ من خلال قناعات قوية وصورٍ شديدة الوضوح، لأنها تنصاع بطبيعتها إلى الرموز وإلى الكلمات المشحونة بالانفعالات. ويجب التنويه، وفق ما يذهب إليه «بوجي»، إلى أننا عادة ما نكون مدفوعين إلى الخلط بين معاني الكلمات التالية: الشعب، الحشود والجماهير، حيث يرتبط مفهوم الشعب بالبعد السياسي وله راهنية دائمة وهوية جماعية قوية، ويرتبط مفهوم الحشود بالمجال النفسي المستند إلى الانفعال بالنسبة لأثر عابر أو مؤقت، بينما يتّصل مفهوم الجماهير بالمجال الاجتماعي وهو غير محدّد ومتغيّر إلى حد بعيد.
نعايش في عصر التواصل السياسي ممارسات تحاول وسائل الإعلام من خلالها، أن تعطي للتلاعب بالحشود بعداً آخر مختلفاً عن الأبعاد المألوفة، ونلاحظ مثلاً أهمية «أطباء الصورة والعلاقات العامة»، ومهندسو الخوارزميات الذين يعملون على هيكلة عمليات الاستغلال والتلاعب بالجماهير، مروراً بالأخبار الكاذبة التي تضخمها شبكات التواصل الاجتماعي، وبصناعة السرديات التي تؤثر في انفعالات المستقبلين.
هناك إذن، علاقة ما بين التلاعب والكذب: فالكذب وإخفاء النوايا، يؤديان في كل الأحوال إلى الانحدار
من الحجج إلى التلاعب. والخطاب التلاعبي قائم على التضليل بشكل أساسي وعلى الأكاذيب: أكاذيب مرجعية، لأننا نقدّم معلومات على أنها صادقة وهي ليست كذلك ونقدم هدفاً بعيداً عن الهدف الحقيقي، وهناك أكاذيب مبنية على أساس خطابي، تقدم تسلسلاً للكلمات على أنه ضروري وهو ليس كذلك، وهناك أكاذيب تتعلق بهوية المتكلم الذي يعرض هوية ليست هويته الشخصية «مناضل/ مؤمن». وهناك في الأخير الكذب الانفعالي القائم على تمثلات خاطئة.
يوضح «آلان مانك» من جانبه، أن هناك تدرّجاً في عالم الكذب أو ما يمكن تسميته «بالحقائق البديلة»، وهذه الممارسة سواء كانت غير إرادية أو متعمّدة لم تنشأ مع شبكات التواصل والإنترنت، بيد أنه في الأشكال البدائية لهذه الممارسة كانت الأخبار الكاذبة منشورة أو مذاعة من طرف وسائل إعلام معروفة، وكانت تعمل على تصحيح الخبر بسرعة وعلى تقديم الاعتذار عندما يتطلب الأمر ذلك، حرصاً على مصداقيتها، غير أنه ومع ميلاد الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» سقطت أساليب المراقبة الذاتية والمتبادلة لوسائل الإعلام، وتحوّل كل شيء إلى خبر أو معلومة.
ويجب الاعتراف في كل الأحول أن مواجهة التلاعب والأخبار الكاذبة ليست أمراً هيّناً، لأنها ترتبط بموازين القوى لاسيما على مستوى الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فالذين يتحكّمون في خوارزميات منصات الإعلام والتواصل لا يحرصون على محاصرة الأخبار الكاذبة، وقد يسهمون في إشاعة أخبار أقل مصداقية على حساب أخبار مؤكّدة، لا تخدم مصالح دول بعينها، وسيكون من الصعب في المرحلة الراهنة كسب رهان المعركة الأخلاقية بعد أن ساوت، كما قال أحد المفكرين، شبكات التواصل بين العقلاء والحمقى كما سبق للبندقية الرشاشة أن ساوت بين الشجاع والجبان.

[email protected]