الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا.. اليمين واليسار وجهاً لوجه

1 نوفمبر 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 1 نوفمبر 2026 00:11 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
اكتسب المشهد الذي عانق فيه الشاب الفرنسي «إلوان» ابن السابعة عشرة، جان لوك ميلانشون زعيم حركة «فرنسا الأبية»، والذي أمضى عقوداً في معارك اليسار، شعبية واسعة لما فاض به من دلالات، فقد رأى محللون عدة، أن المشهد يعكس لقاءً بين شاب يبحث عمن يستمع إلى غضب جيله ومطالبه، وسياسي يرى في وجه هذا الشاب وحماسه احتمالاً لتجدّد الوعد القديم بالعدالة، في بلد أطلق، قبل أكثر من قرنين وربع القرن، واحدة من أهم الثورات التي عرفتها البشرية على مدار العصور.
في عام 1789، داخل الجمعية الوطنية التأسيسية الفرنسية، أخذ الخلاف على سلطات الملك، خصوصاً حقّه في الاعتراض على القوانين، صورة مكانية، إذ تجمّع المدافعون عن حق الاعتراض الملكي إلى يمين رئيس الجمعية، ومعارضوهم إلى يساره، ومن هذا الاصطفاف بدأت تتبلور الدلالة السياسية لتسميتي اليمين واليسار، وعلى امتداد أكثر من قرنين، تغيّرت الأفكار التي يحملها الجالسون على الضفتين، وتبدّلت قواعدهم الاجتماعية ومعاركهم، حتى غدا إسقاط خريطة البدايات على الحاضر مضللاً، لكن السؤال عن توزيع السلطة ظلّ يعود بأشكال جديدة:، فحين ينزل «إلوان» ورفاقه إلى شوارع فرنسا، فإنهم يدخلون هذا التاريخ من باب حياتهم اليومية، من مدرسة تضيق باحتياجاتهم، ومن قلق على مستقبل تُتخذ القرارات بشأنه قبل أن يصبح لهم صوت في صناديق الاقتراع.
غير أن أوروبا لا تصغي إلى هتاف واحد، فعلى الضفة الأخرى، يعمل اليمين القومي على جمع الخائفين من تحولات المجتمع والاقتصاد، ويمنح مخاوفهم لغة سهلة التداول، محمّلاً سياسة الحدود المفتوحة، والمهاجرين، والنخب التي تدير البلاد، وبروكسل التي تنتزع القرار الوطني، المسؤولية عن كل الأزمات التي تعانيها أوروبا في العقد الأخير، ويخاطب قطاعات من «الأكثرية البيضاء» بوصفها جماعة تتراجع مكانتها، ويَعِدها باستعادة بلدانها.
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تعرف الثمن الذي قد تدفعه المجتمعات حين يتحول الخوف إلى طاعة، وحين يُمنح الغضب عدوّاً بشرياً يُحمَّل وزر الأزمات، فخرجت الديمقراطيات الغربية من الخراب وهي تحتاج إلى شرعية تتجاوز الحق في التصويت، وتحت ضغط الحركات العمالية والنقابات، وحاجات إعادة البناء، والمنافسة مع المعسكر السوفييتي، توسعت الحماية الاجتماعية والخدمات العامة، وعلى الرغم من التباينات بين النماذج الوطنية في أوروبا، فإن تسوية كانت قد عُقدت في الجوهر بين استمرار اقتصاد السوق الرأسمالي وبين حصول العمال والمواطنين على ضمانات وحقوق اجتماعية تحدّ من قسوة الاقتصاد الرأسمالي، وتفتح أمام أبنائهم إمكان العيش بصورة أفضل.
وفي عام 1989، حين سقط جدار برلين، بدا المستقبل الأوروبي لبعض المنتصرين طريقاً يكاد يخلو من المفاجآت الكبرى، حيث سيكون انتشار الديمقراطية حتمياً، وسيتسع اقتصاد السوق، وستتراجع الخصومات الأيديولوجية أمام إدارة المصالح المشتركة، لكن تاريخ ألمانيا الموحدة حمل تجارب اجتماعية متفاوتة، ففي شرقها، اقترنت الحرية لدى قطاعات من السكان بفقدان العمل والمكانة، وبشعور بأن مؤسساتهم وسيرهم الشخصية خضعت لتقييم المنتصر، ولئن كان مؤكداً أن هذه الأمر لا يختصر أسباب صعود «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، فإنه يساعد عفي فهم قابلية الشعور بالتهميش للاستمرار، حتى بعد مرور عقود على إعلان نجاح الوحدة بين الألمانيتين.
اليوم، يفرض صعود «البديل» العديد من الأسئلة والتحديات في الساحة الألمانية، خصوصاً مع تقدمه في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، في الانتخابات في ولايات شرقية، إذ لم يعد من الممكن تجاهل حضوره وتأثيره، واقتناع ملايين الألمان بسردية تفسيره للتراجع الاقتصادي على مستويى السياسات الداخلية والخارجية، معاً، في الوقت الذي تشهد فيه قوى أساسية تراجعاً في تأثيرها، خصوصاً حزبي «الاتحاد المسيحي الديمقراطي»، و«الحزب الديمقراطي الاجتماعي»، كما تصاعدت شعبية «حزب اليسار»، الذي فاز في انتخابات العاصمة برلين بنتيجة كبيرة، متقدماً على أحزاب الوسط.
في فرنسا وألمانيا، الدولتين اللتين تشكلان بوصلة أوروبا، يتضح أن الوسط السياسي يواجه أزمة تتجاوز تراجع شعبيته، فقد قامت قوته طويلاً على الجمع بين المصالح المتعارضة، وإقناع المجتمع بأن التسوية تحقق مكاسب أوسع من القطيعة، لكن هناك جملة من الظروف التاريخية التي سمحت فعلياً بأن تلعب أحزاب الوسط هذا الدور، فقد كانت أوروبا لعقود تمثل مع الولايات المتحدة مركز العالم المتفوّق، معرفياً وتكنولوجياً، من دون منافسين كبار، وكانت تحتل حصة كبيرة من سوق العالم الدولي، ما سمح لها بإبرام تسوية استفادت منها النخب المتحكمة وعموم المواطنين، على حدّ سواء، لكن الأوضاع العالمية تغيرت، وحدث انزياح كبير لمصلحة الصين، والهند، وكوريا الجنوبية، واليابان، والبرازيل، وعدد لا بأس به من الدول الآسيوية.
مرة أخرى، يعود اليمين واليسار إلى ساحة المواجهة في أوروبا، في ظل نظام دولي تغيرت فيه موازين القوى، وتغيرت فيه حصة أوروبا من السوق، ما ينبئ بسنوات مقبلة تحمل معها صراعات أيديولوجية واجتماعية، لا يمكن التكهن بما ستؤول إليه نتائجها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة