عبدالله السناوي
اتفاق غزة هش ولا أفق سياسي يعول عليه. هذه حقيقة تتبدى في تفاصيله وكافة تطوراته الميدانية. تفجير الاتفاق وارد.. وتفجير المنطقة كلها ليس مستبعداً.
في زيارتي نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو إلى تل أبيب كانت الرسالة واحدة: «لا تخرقوا الاتفاق». الرسالة نفسها كررها على مسامع الإسرائيليين المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر، اللذان يتابعان التفاصيل عن قرب.
بنوع من الإلحاح أكد الأمريكيون أن الاتفاق صامد من الجانبين!
رغم ذلك كله، أقر الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى مشروع قانون يقضي بضم الضفة الغربية إلى الدولة العبرية.
كان ذلك تدميراً متعمداً لأي اتفاق، أو لأي نوع من السلام، كالذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويعمل على فرضه تمكيناً لإسرائيل في حسابات المنطقة.
لم تكن مصادفة أن يحدث مثل هذا التطور الخطر أثناء وجود فانس في إسرائيل. كان مقصوداً الإيحاء بأن الولايات المتحدة مطلعة عليه وشريكة فيه.
لا تمانع إدارة ترامب في سيناريو الضم والتوسع، وقد سبق له أن تعهد بدعمه أثناء ولايته الأولى، لكنها بدت منزعجة من الإقدام عليه دون اطلاع وتشاور مسبق ودون تحسب للتداعيات والعواقب.
بتعبير فانس فإنه «قرار غبي» قاصداً التوقيت، لا مشروع الضم. المعنى نفسه سجله ترامب بصياغات حادة: «لا يمكنكم فعل ذلك الآن».
تداخلت حيثياته مع طبيعة شخصيته كرجل صفقات يدرك أن تبعات الضم تنسف كل صفقة ماثلة.
«لن يحدث ذلك. لن يحدث. لن يحدث لأنني وعدت الدول العربية. لقد حظينا بدعم عربي كبير. لن يحدث لأنني وعدت الدول العربية. لن يحدث. إسرائيل ستفقد كل الدعم الأمريكي إذا ضمت الضفة».
لم يكن ممكناً لإسرائيل أن تتجاهل تحذيراته، التي تعني بالضبط رفع أي غطاء سياسي وعسكري عن الدولة العبرية بما يفوق طاقتها على التحمل. أذعن نتنياهو لما أراده ترامب.
علق الإجراءات زاعماً أنها كانت مناورة من المعارضة الإسرائيلية، لا مشروعاً يصر عليه حلفاؤه في الائتلاف الحكومي.
في توقيتها وأسبابها استهدفت خطة ترامب إنقاذ إسرائيل من أن تصبح دولة معزولة ومنبوذة، وإفساح المجال أمامها بنفس الوقت لأن تحقق بالمفاوضات ما فشلت فيه بالحرب. هنا - بالضبط- موطن «الغباء»، الذي قصده نائب الرئيس.
من تبعات «الغباء المستوطن» الاعتراض على أي مشاركة تركية ومصرية في القوات الدولية المقترحة لحفظ الأمن الاستقرار في غزة أثناء الفترة الانتقالية المفترضة.
الاعتراض نفسه، حسب التصريحات اليمينية الإسرائيلية، يشمل أي دولة في العالم تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، أو أن تكون لهم دولة مستقلة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة منذ (4) يونيو (1967). الترجمة المباشرة، استبعاد الأغلبية الساحقة من دول العالم.
إنهم لا يطلبون قوات حفظ أمن واستقرار، بل قوات احتلال بديلة تحقق الأهداف الإسرائيلية بأقل التكاليف.. هكذا يتصادم مساران رئيسيان.
أولهما، مسار الضم والتوسع الإقليمي تحت سقف «إسرائيل الكبرى». وثانيهما، التطبيع وتوسيع اتفاقات السلام لتضم المملكة العربية السعودية بالذات، غير أنها تشترط مساراً موثوقاً يفضي إلى دولة فلسطينية.
نتنياهو يتبنى المسار الأول، وترامب يميل إلى المسار الثاني. كلاهما ليس مستعداً أن يعترف بالدولة الفلسطينية.
إحدى المسارات المحتملة توسيع دوائر الاشتباك والحرب على جبهتي إيران ولبنان. العودة إلى الحرب مع إيران خيار ماثل بقوة لتخفيف وطأة الضغوط على نتنياهو، حتى لا يتفكك الائتلاف اليميني الحكومي.
تميل واشنطن إلى شيء من التعديل في الوسائل من دون تخل عن هدفي تقويض المشروع النووي الإيراني وتحجيم مشروعها الصاروخي الباليستي.
ثمة توجه جديد يتبناه ترامب لدمج طهران في ترتيبات الشرق الأوسط الجديد. بمعنى آخر إعادتها إلى لعب ذات الدور، الذي كانت تقوم به في فترة حكم شاه إيران، ك«شرطي لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة».
تكاد الخلافات الأمريكية الإسرائيلية أن تنحصر في الوسائل. نقطة البدء الأمريكية تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، لكنه معرض من فرط هشاشته لمناوشات سياسية وعسكرية قريبة من فوهات النيران.
حسب صياغة المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان توم براك فإن اتفاق غزة «هدنة» ينبغي أن تصبح مشروعاً إقليمياً لإعادة بناء الشرق الأوسط. هكذا - بالضبط- وبكل دقة. يفتقد براك، الذي تنتمي أصوله إلى زحلة اللبنانية، أي مهارات دبلوماسية، فهو يكشف نواياه في أقل عدد من الكلمات المتفجرة.
لا تمانع إسرائيل في ذلك المشروع، شرط أن يستجيب لكامل شروطها، أولها وأهمها: نزع سلاح المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، والتوسع في التطبيع المجاني من دون دفع أي فواتير واستحقاقات.. الحسم بالسلاح وحده.
في نفس التوقيت تصاعدت أزمة أخرى بموجة هجوم جوي إسرائيلي على منطقتي البقاع وشمال شرق لبنان بذريعة استهداف بنى عسكرية لحزب الله ومنعه من إعادة بناء قدرته العسكرية بتصنيع صواريخ بالغة الدقة والتطور.