الأمم المتحدة التي احتفلت يوم 24 الحالي بذكرى تأسيسها الثمانين ليست في أحسن حالاتها، فهي تحتاج إلى «انتفاضة» في هيكليتها وبنيتها ودورها، بعدما بدأت آثار الشيخوخة تدب في أواصرها، ولم تعد قادرة على ترجمة ميثاقها وأهدافها التي تدعو إلى حفظ الأمن والسلام العالميين، وتعزيز العلاقات الودية بين الشعوب على أساس المساواة في الحقوق، وحق تقرير المصير، وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتوثيق التعاون لحل المشكلات الدولية. ومع الأسف فإن كل هذه الأهداف السامية باتت تخضع لمواقف سياسية تلبي مصالح الدول الكبرى وتنسف كل ما اتفقت عليه شعوب العالم من وراء إنشاء هذه المنظمة الدولية.
مياه كثيرة جرت على مدى الثمانين عاماً منذ عام 1945، واندلعت حروب وصراعات وأزمات وقفت الأمم المتحدة أمامها عاجزة أو مشلولة تماماً بعدما تعمد الكبار، وخصوصاً الولايات المتحدة، في اللجوء إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لإحباط أي قرار لا يحقق أهدافها أو لا يناسب مصالحها.
وإذا كانت الأمم المتحدة هي المكان الوحيد على وجه الأرض حيث يمكن لجميع دول العالم أن تجتمع لمناقشة المشكلات العالمية، وإيجاد حلول مشتركة تعود بالنفع على البشرية، فقد تحولت في الواقع إلى منتدى لإلقاء الخطب، وممارسة الاتهامات والتحديات بين قادة العالم، من دون الاقتراب من التحديات الكبرى مثل الحروب والفقر والجوع والأوبئة والمناخ. فالأمم المتحدة ليست مجرد مؤسسة، إنما هي وعد حي يمتد عبر الحدود، ويصل بين القارات، ويلهم الأجيال، لكن تم تحويلها إلى كيان بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة، كما حدث لعصبة الأمم، التي فشلت في الحؤول دون قيام الحرب العالمية الثانية.
«..نحن شعوب الأمم المتحدة»، ليست مجرد كلمات يُستهل بها ميثاق الأمم المتحدة.. إنها كلمات تحدد من نكون، كما يقول أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته لمناسبة يوم المنظمة الدولية. ويضيف «اليوم نواجه في الوقت الذي نتطلع فيه إلى الأمام، تحديات ذات نطاق مذهل: من صراعات متصاعدة، وفوضى مناخية، وتكنولوجيات جامحة، ومخاطر تهدد نسيج مؤسستنا ذاته».
لم تعد الأمم المتحدة قادرة على القيام بدورها لتلبية الأهداف التي أنشئت من أجلها، وهي تحتاج إما إلى إصلاح أو إلى إعادة نظر وتجديد في بنيتها والخروج من منطق الهيمنة الذي يتحكم في كل مفاصلها، وذلك من خلال إعطاء دور للقوى البازغة، وخصوصاً دول الجنوب في أن يكون لها صوت مسموع ومؤثر من خلال توسيع مجلس الأمن، وإلغاء «الفيتو» الذي تتمتع به الدول الخمس الكبرى، الذي من خلاله تتحكم في قرارات المجلس، بما يؤدي إلى شلله في التصدي للأزمات والحروب والاعتداءات، وإفشال القرارات التي تصدر عنه التي لها صلة بالسلام وحقوق الإنسان وتقرير المصير، كما هو الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية والحروب الإسرائيلية، والحرب الأوكرانية، والعقوبات خارج الشرعية الدولية، والعقوبات الاقتصادية.
كي تتحقق المساواة والعدالة الدولية، ويكون للشعوب الدور الأساسي في تحديد السياسات والمواقف والأهداف، كما تنص ديباجة الميثاق يجب نسف كل ما له علاقة بالإجحاف في التمثيل، وإلغاء هيمنة الدول الكبرى، ترسيخاً للذين تعاهدوا قبل ثمانين عاماً على إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب، وعلى العيش معاً في سلام وأمن، وتكريس الحقوق الأساسية للإنسان وكرامة الفرد والحقوق المتساوية لجميع الأمم.
الأمم المتحدة في الـ 80 .. والتجديد المأمول
28 أكتوبر 2025 00:27 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 أكتوبر 00:27 2025
شارك