بعد مرور ثلاث سنوات ونصف السنة على الحرب الأوكرانية، لا تزال هذه الحرب مستعرة من دون أية علامة على تراجعها، ولا يبدو أن أياً من الطرفين الروسي والأوكراني على استعداد للتنازل عن شبر واحد، ويبدو أن الجانبين إما يؤمنان بالنصر النهائي، وإما لا يجدان الشروط المناسبة لوقف القتال، على الرغم من جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوصول إلى تسوية مقبولة، ما زالت تصطدم بشروط متبادلة تحول دون تحقيقها، على الرغم من قمة عقدها مؤخراً في ألاسكا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسلسلة من المحادثات الهاتفية بينهما، واجتماعات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي.
لأننا نعيش في عالم يبدو أن الحروب فيها تشكل قاعدة لتحقيق مكاسب سياسية، بدلاً من اللجوء إلى الحوار، وأن التفاوض أفضل من القتال والمزيد من الدمار، وأن التنازلات المؤلمة هي المدخل لتحقيق السلام، فإن الحرب الأوكرانية تأخذ مساراً تصعيدياً، بات يهدد القارة الأوروبية في حال تجاوزت حدودها الحالية.
ومن مؤشرات الفشل في التوصل إلى صيغة مقبولة لوقف إطلاق النار، ومباشرة مفاوضات تؤدي إلى السلام، أن الرئيس الأوكراني حذر من أن بلاده تعتزم توسيع هجماتها بالطائرات المسيرة والصواريخ، لتشمل مناطق روسية إضافية، كما أكد الحاجة إلى دعم أوروبي لعامين آخرين أو ثلاثة للقتال، وفي الوقت نفسه توقع «خطة سلام» في غضون أيام، لإنهاء الحرب، لكنه دعا من جهة أخرى إلى فرض المزيد من العقوبات على روسيا، وتوفير أسلحة بعيدة المدى لأوكرانيا لإجبار بوتين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
هذه المواقف المتناقضة بين «خطة سلام» أوروبية، والمطالبة بدعم عسكري أوروبي لمواصلة القتال لعامين أو ثلاثة، ورفع سقف المواجهة بهجمات جديدة في العمق الروسي، تنم عن عدم جدية في السلام، إنما هي تدخل في إطار لعبة سياسية ومساومات لمعرفة ردود الفعل الروسية.
وعلى الجانب الآخر، لا يبدو أن موسكو في وارد التراجع عن مواقفها في ما يتعلق بشروط السلام التي حددتها، وخصوصاً الاحتفاظ بشبه جزيرة القرم والأراضي التي سيطرت عليها في شرق أوكرانيا، وعدم انضمام الأخيرة إلى حلف الأطلسي، إضافة إلى إعلان حيادها، وهو ما ترفضه كييف ودول حلف الأطلسي الأوروبية.
وفيما تهدد أوكرانيا بضرب العمق الروسي وأهداف حيوية استراتيجية كالقواعد العسكرية ومصادر الطاقة، وتطلب لذلك تزويدها بصواريخ «توما هوك» بعيدة المدى، وفيما يقوم حلف الأطلسي بمناورات نووية لاختبار استعداداته في حال حصلت مواجهة مع موسكو، ثم قيام روسيا بمناورات نووية مماثلة، فهذا يعني أن الأفق بات مسدوداً أمام التسوية، وأن توسيع رقعة الحرب باتت مرجحة أكثر، بعدما أعلنت روسيا عن اختبار صاروخ يعمل بالطاقة النووية (بوروفيستنك) لا يمكن اعتراضه، ووصفه بوتين بأنه «منتج فريد من نوعه لا يمتلكه أحد في العالم»، وهو قادر على قطع مسافة لا تقل عن 14 ألف كيلومتر (8700 ميل)، فيما أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن اختبار الصاروخ «يعكس حرص البلاد على مصالحها الأمنية»، وأضاف «ضمان الأمن مسألة حيوية بالنسبة إلى روسيا خصوصاً في ظل الخطاب العسكري الذي نسمعه حالياً بشكل أساسي من الأوروبيين».
كل ذلك يعكس مخاوف روسية وأوكرانية وأطلسية مما تحمله الأيام المقبلة.