لم يعد استمرار الحرب في السودان مقبولاً، لا أخلاقياً ولا إنسانياً ولا دينياً، لأنها تحولت إلى حرب بلا هدف، إلا القتل والتدمير والإبادة والتهجير والتصفيات العرقية، وكلها تستهدف الإنسان السوداني الذي وجد نفسه منذ إبريل/نيسان 2023 بين مطرقة الجيش السوداني وسندان قوات الدعم السريع.
ما جرى في مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور، قبل أيام، هو نموذج لما حلَّ بالسودانيين الذين صمدوا في بيوتهم، أو الذين هربوا من القتل إلى مخيمات اللجوء، إذ تم قتل مئات الأشخاص من الأطفال والمدنيين.
لم يعد التنديد والاستنكار وإبداء الأسف يكفي، لوقف هذه الحرب الطاحنة، إذ بات المطلوب من المجتمع الدولي ممثلاً بمجلس الأمن، اتخاذ إجراءات رادعة وسريعة لوقف شلال الدم السوداني، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، واستخدام كل الوسائل الممكنة لوقف الحرب، واستعادة الأمن والسلام في السودان، كما أكدت دولة الإمارات ذلك، خلال اجتماع مجلس الأمن يوم أمس الأول، خلال مناقشة الوضع السوداني.
المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، السفير محمد أبو شهاب، أكد أن الهجمات المشينة ضد المدنيين «انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني» وأشار إلى «أن أكثر من 900 يوم هي عمر الحرب في السودان، والتي ابتلعت وطناً، والمعاناة الإنسانية تتعمق كل يوم، والحالة في الفاشر تزداد سوءاً يوماً بعد يوم».
لم تتمكن كل الجهود الإقليمية والدولية حتى الآن، من وضع حد للمأساة السودانية، كما أن اللجنة الرباعية الخاصة بالسودان التي تضم دولة الإمارات والولايات المتحدة والسعودية ومصر التي اجتمعت في واشنطن مؤخراً، طرحت خطة تدعو إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تقود إلى وقف إطلاق النار، ثم عملية انتقالية جامعة وشفافة خلال تسعة أشهر، تحقق تطلعات الشعب السوداني نحو حكومة مدنية، لكن يبدو أن هذه الخطة وصلت إلى حائط مسدود، لأنها تصطدم بمواقف رافضة من طرفي الحرب في السودان، لإصرارهما على مواصلة الاقتتال تحقيقاً لمصالح سياسية خبيثة، لن تجلب للشعب السوداني إلا المزيد من القتل، وشلالات الدماء، والتخلف، والفقر، والكراهية، والتعصب، وتحقيق أجندات خارجية للسيطرة على موارده، ونهب خيراته، وتفكيك وحدته.
مجلس الأمن دان في جلسته الأخيرة الهجوم على الفاشر، وأثره المدمر على السكان المدنيين، والفظائع التي ارتكبت، وعبّر عن قلقه البالغ «إزاء تزايد خطر ارتكاب فظائع واسعة النطاق، منها فظائع بدوافع عرقية»، ودعا إلى محاسبة جميع مرتكبي هذه الانتهاكات.
كما دعا أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى وضع حد ل«التصعيد العسكري» في الفاشر، داعياً إلى «إنهاء الحصار والأعمال الحربية فوراً».
إنهاء مأساة يومية، وجرح مفتوح ينزف، ينتظر من يستطيع وقف هذه المقتلة، وتحرير السودانيين من براثن الموت، وإنقاذهم من خطر وجودي.