أليس غريباً أن أنظمة التعليم العربية لم تبذل جهداً مشهوداً، على صعيد نصيب الإحساس بجمال اللغة، في المنهاج المقرّر؟ من الضروري وضع خطط مدروسة في هذا الميدان الحيويّ، لتدارك عدم إلمام الأجيال بلسانها، وافتقارها إلى المكنة والاقتدار، إضافةً إلى تراجع منسوب سلامة العربية. المؤسف هو أن الحصّة الكبيرة التي يحظى بها النحو، غير متوازنة مع انخفاض عدد المتمكنين من لغتهم، كتابةً ونطقاً، في الثانوية العامة والتخرج في الجامعة.
القلم على يقين من أن الجهات المضطلعة بوضع المناهج، هي المسؤولة أوّلاً وآخراً. لا يمكن بحال مساءلة التلاميذ والطلاب عن تردّي مستويي التحرير والارتجال.
لقد برهنت المؤسسات المعنية بالتربية والتعليم على غياب البحث العلمي، بدليل أن أساليب تدريس النحو لا تختلف اختلافاً كبيراً عمّا كانت عليه في القرون الخالية. الطامّة الكبرى هي أن واضعي المناهج لم يثبتوا أنهم بحثوا وتدارسوا النقد الشفاف العميق الذي وجّهته صفوة من علماء اللغة، الذين ذكرهم القلم مراراً، من اللغوي الأديب الخبير بالأساليب وبالإحساس بجمال العربية، الجاحظ، الذي أطلق صيحة قبل أكثر من ألف عام، موصياً المدرّسين بعدم تعليم الصغار من النحو، إلا ما يحتاجون إليه في حياتهم اليومية.
تأمّل الإنجاز التاريخي، إذا عمل التربويّون بمقولة أبي عثمان، على قاعدة ذهبية، هي فخر ميراثنا التربوي: «لا تعلّموا أولادكم ما عُلّمتم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم». من الجاحظ طِرْ فوراً إلى القرن الثاني عشر الميلادي. هنالك لا يُغتفر لأهل اللغة، عدم الوقوف، «وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمُهْ»، ليباركوا ثورة ابن مضاء القرطبي، في كتابه الفذ «الردّ على النحاة».
خير منهاج لتبسيط قواعد اللغة: ما عليكم أيها الأفاضل إلا أن تطبّقوه، وتقيسوا عليه. معاصر هذا الثائر، الفيلسوف الفقيه اللغوي، ابن رشد، الذي ألّف تحفةً أخرى: «الضروري في صناعة النحو». أمّا معاصرونا فعددهم غير قليل، من بينهم الدكتور شوقي ضيف، محقّق كتاب ابن مضاء. أمّا إذا كان واضعو المناهج العرب أعلم بالعربية وأدرى بشؤونها، من الأعلام المذكورين، فلنا وللساننا الله، وهو حسبنا.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإرجائية: انقضت السهرة في دوزان العود. لم يبق مجال لشرح المقصود من غياب الإحساس بجمال اللغة. لا تقل: يا ليلُ الشرحُ متى غدهُ؟ إن شاء الله.
تأجيل الإحساس بجمال اللّغة
2 نوفمبر 2025 01:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 نوفمبر 01:09 2025
شارك