عبدالله السناوي

عندما أوشكت الحرب العالمية الأولى أن تُحسم، بدأت سيناريوهات تقسيم المنطقة وتقاسم النفوذ فيها تطرح نفسها على المنتصرين. في عام 1916 وقعت اتفاقية «سايكس- بيكو» بين بريطانيا وفرنسا لوراثة الإمبراطورية العثمانية الغاربة. في 2 نوفمبرمن 1917 أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور وعداً يقضي ب«إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين».
وفق عشرات الوثائق البريطانية لم يتأسس «وعد بلفور» على أسطورة «العودة إلى أرض الميعاد»، لكنه وظفها لمقتضى رؤية استراتيجية لمستقبل المنطقة كلها، ومصر في قلبها.
بعد 4 سنوات من إعلان وعد بلفور، تلقى رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج مذكرة من مدير العمليات في الشرق الأوسط الكولونيل ريتشارد ماينر تزهاجن يقترح ضم سيناء إلى فلسطين حتى يكون ممكناً وضع حد فاصل.
توصل الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت إلى هذه الفكرة الاستراتيجية، الحد الفاصل، أثناء حملته على مصر، التي امتدت إلى بعض حواضر الشام معتقداً أنها تحول دون بناء قوة عظمى مستقبلاً في هذه المنطقة.
الفرنسيون يفكرون والبريطانيون ينفذون. هذا قول شهير ينطبق هنا أكثر من أي مكان آخر.
بعد أكثر من قرن على «الوعد» ما زال جوهره الاستراتيجي ماثلاً بالمشاهد الدموية في أحاديث الشرق الأوسط الجديد. في التفكير الاستراتيجي الغربي اقترن وما زال المصير الفلسطيني بالمصير العربي، وإبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم بالتهجير القسري بمشروع سلخ سيناء عن مصر.
مصر في عين الاستهداف. قد تتراجع مستويات الخطر بدرجة أو أخرى، لكن يظل الاستهداف نفسه حاضراً دوماً. أي كلام آخر تجهيل بالتاريخ وتدليس على الحقائق.
الكلام المتواتر عن شرق أوسط جديد يجد أصوله في الرؤية الاستراتيجية، التي أسست ل«وعد بلفور»، مشكلة خلفاء «بلفور» أنهم يفتقدون بفداحة الكفاءة، التي كانت تملكها الإمبراطورية البريطانية في إحكام الرؤية والتنفيذ والالتفاف والخداع. لم يعد ممكناً إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بالقلم والمسطرة على النحو الذي حصل في اتفاقية «سايكس بيكو».
رغم مضي أكثر من قرن على «وعد بلفور»، فإن جوهره الاستراتيجي ما زال حاضراً في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وليبيا والسودان بتحدياته ومخاطره.
قد يقال -بظاهر نص «وعد بلفور»- إن مفعوله انقضى، فقد أنشئت الدولة العبرية منذ نحو 77 عاماً لكنها لم تعين لنفسها حدوداً. إنها مشروع دائم للتوسع والضم على حساب دول عربية مجاورة.
يستلفت الانتباه هنا الإشارات التي بدرت عن رئيس الوزراء البريطاني الحالي كير ستارمر، أثناء إعلان اعتراف بلاده بالدولة الفلسطينية، من تحميلها المسؤولية التاريخية عما حاق بالفلسطينيين، لكنه لم يفصح عن مراجعة كاملة ولا اعتذر بصورة واضحة. جرت تلك الإشارات تحت ضغط التظاهرات والاحتجاجات في شوارع وميادين لندن تضامناً مع الضحية الفلسطينية وتنديداً بحربي الإبادة والتجويع.
المعضلة الحقيقية الآن أن صوت «سلام القوة» يعلو فوق أي صوت آخر في الشرق الأوسط، لا يوجد أفق سياسي في خطة الرئيس الأمريكي ترامب يفضي إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، ولا أدنى استعداد أمريكي، أو إسرائيلي، للقبول بها رغم الاعترافات الدولية، التي وصلت إلى زخم غير مسبوق أثناء الدورة ال 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
خسرت إسرائيل الحرب الأخلاقية، كما خسرت حرب الصورة، وتدهورت مكانتها داخل الرأي العام الغربي، الذي دأب على تأييدها ودعمها منذ تأسيسها بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، كان ذلك بداعي التطهر الغربي من المآسي البشعة التي لحقت باليهود في المحارق النازية في سنوات تلك الحرب.
لم يكن اليهود وحدهم من تضرروا من المحارق النازية، فقد دفعت الإنسانية كلها أثماناً باهظة لأوهام التفوّق العرقي.
استقطبت إسرائيل بالدعاية الممنهجة مشاعر قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي، فهي دولة ديمقراطية وسط عالم عربي متخلف واستبدادي، تبني وتزرع وتأخذ ببعض الأساليب الاشتراكية في مستعمراتها الجماعية، من دون التفات إلى الطابع العنصريّ للدولة الوليدة وحمامات الدم التي ترتكبها بحق السكان الفلسطينيين.
في لحظة مكاشفة إنسانية بالحقائق، دمغت الأمم المتحدة الصهيونية بالعنصرية مثل ال«أبارتهايد» في جنوب إفريقيا، والنازية الألمانية، والفاشية الإيطالية، لكنها ألغته في وقت لاحق بتخاذل عربي أنكر حقوقه قبل أن ينكرها عليه أحد.
الصورة اختلفت تماماً الآن بقوة الرأي العام الإنساني، في العواصم الغربية والأوروبية بالذات، الذي روعته مشاهد الحرب على غزة.
كانت التظاهرات والاحتجاجات التي عمت الشوارع الأوروبية، وداخل الولايات المتحدة نفسها، داعية لمبادرة ترامب لوقف الحرب، أو ل«هدنة مؤقتة وهشة» بمعنى أدق، إنقاذاً لإسرائيل من نفسها.
الحرب ما زالت مفتوحة على أخطر سيناريوهات خلفاء «بلفور».
أين العرب من ذلك كله؟
هذا هو السؤال الذي لا مهرب منه.