يُعد فقدان قوة العضلات التدريجي أحد أهم التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بتقدم العمر، ما يؤدي إلى تدهور الحركة وجودة الحياة بشكل عام، وعلى الرغم من أنها عملية طبيعية، إلا أن الأبحاث أكدت أن خيارات نمط الحياة والنظام الغذائي وممارسة الرياضة تلعب دوراً أساسياً في سرعة فقدان قوة العضلات، وفي مقدار ما يمكن الحفاظ عليه أو حتى استعادته، وفي السطور التالية يسلط الخبراء والاختصاصيون الضوء على هذا الموضوع وطرق الوقاية وتعزيز قوة العضلات.
تقول د.نيرانجانا سريديفي، أخصائية طب الشيخوخة: يعود انخفاض قوة العضلات لدى كبار السن إلى مجموعة متنوعة من العوامل البيولوجية والسلوكية المترابطة، حيث يشهد الجسم ابتداء من منتصف العمر، انخفاضاً في عدد وحجم الألياف العضلية، وخاصة الألياف سريعة الانقباض المسؤولة عن القوة والتوازن، كما تقل كفاءة الجهاز العصبي في تحفيز انقباضات العضلات، ما يسهم في انخفاض القوة، كما تنخفض مستويات الهرمونات الضرورية للحفاظ على العضلات مثل: التستوستيرون والأستروجين وهرمون النمو وعامل النمو الشبيه بالأنسولين بشكل طبيعي مع التقدم في السن، ما يؤدي إلى إضعاف قدرة الجسم على بناء وإصلاح الأنسجة.
وتضيف: يعيش أغلبية كبار السن أنماط حياة خاملة، ما يسرِّع من فقدان كتلة العضلات، وتبدأ التي لا تُستخدم بانتظام في الانكماش وفقدان قوتها، وهي عملية تُعرف باسم «ضمور عدم الاستخدام»، كما يؤثر نقص البروتين وانخفاض مستويات فيتامين «د» سلباً في نمو العضلات وتعافيها ولذلك فإن تناول كمية كافية من البروتين والمغذيات الدقيقة في النظام الغذائي أمراً ضرورياً للحفاظ على كتلة العضلات ووظائفها.
وتذكر د.نيرانجانا سريديفي أن الأمراض المزمنة وحالات مثل التهاب المفاصل ومشكلات القلب والسكري، والالتهاب المزمن منخفض الدرجة، تحفز انهيار العضلات وضعف الوظائف البدنية، ويُمكن أن يؤدي البقاء في المستشفى أو عدم الحركة لفترات طويلة إلى فقدان سريع لقوة العضلات، ما يتسبب في عواقب صحية وخيمة، كالسقوط والكسور والوهن، وبالتالي إطالة فترات التعافي من المرض أو الإصابة، وانخفاض معدل الأيض وزيادة الوزن، والعزلة الاجتماعية وانخفاض جودة الحياة.
وتؤكد د.نيرانجانا سريديفي على أن هناك العديد من الاستراتيجيات للحفاظ على قوة العضلات، ومن أهمها ممارسة تمارين المقاومة أو القوة بانتظام، مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً باستخدام الأوزان أو أشرطة المقاومة أو تمارين وزن الجسم، كونها تكون مرور الوقت الحل الأمثل لبناء القوة والحفاظ عليها بطريقة آمنة، كما تعمل الحركة اليومية المنتظمة والمشي والنوم الجيد والتغذية المتوازنة، وخاصة تناول كمية كافية من البروتين ومستويات كافية من فيتامين «د»، على تحسين التوازن والتنسيق والنتائج الصحية العامة لدى كبار السن.
عادات خاطئة
يذكر د.عزام فياض استشاري جراحة العظام، أن هناك العديد من العادات الخاطئة التي تسبب في ضعف وانخفاض القدرة العضلية لدى الأشخاص بشكل عام، ومن بينها:
- قلة النشاط البدني والجلوس لفترات طويلة أو تجنّب ممارسة التمارين الرياضية بانتظام يؤدي إلى ما يُعرف ب«ضمور العضلات الناتج عن قلة الاستخدام»، حيث تبدأ العضلات بفقدان كتلتها وقوتها تدريجياً نتيجة عدم تحفيزها بالحركة، وتصبح أضعف وأقل قدرة على أداء المهام اليومية، ما يزيد من خطر التعرض للإصابات ومشاكل الحركة.
- الإفراط في التدخين يؤدي إلى تقليل تدفق الدم إلى العضلات، ما يُضعف من وصول الأوكسجين والعناصر الغذائية الضرورية لها، وبالتالي يعرقل عملية تعافيها ونموها بشكل سليم، كما يُسبب الإكثار من تناول الكحول خللاً في توازن الهرمونات، ويعيق قدرة الجسم على إصلاح الأنسجة العضلية، ما يُسهم في تدهور القوة العضلية مع مرور الوقت.
- يسبب نقص العناصر الغذائية الأساسية وعدم الحصول على كميات كافية من البروتين ضعف قدرة الجسم على بناء وإصلاح الأنسجة العضلية، كما ينعكس نقص فيتامين «د» والمعادن الحيوية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم سلباً على انقباض العضلات ووظائفها الحيوية.
- الضغوط النفسية المستمرة وسوء جودة النوم يُسهمان في ارتفاع مستويات هرمون التوتر في الجسم، «الكورتيزول»، ويؤدي إلى تكسير الألياف العضلية، كما أن النوم غير الكافي يُضعف عمليات الاستشفاء العضلي ويُبطئ من بناء الأنسجة الجديدة، وبالتالي تراجع القوة العضلية على المدى البعيد.
- تدفع الحميات القاسية أو فقدان الوزن السريع، واتباع أنظمة غذائية شديدة التقييد من حيث السعرات الحرارية أو العناصر الغذائية، يحتاج الجسم إلى استخدام الأنسجة العضلية كمصدر للطاقة، وخاصة في حال عدم وجود كميات كافية من البروتين، حيث إن هذا النوع من فقدان الوزن لا يؤثر فقط في الدهون، بل يؤدي إلى خسارة الكتلة العضلية، ما يُضعف القوة البدنية ويبطئ معدل الأيض.
- يلجأ الكثيرون ممن يصابون بإصابات طفيفة أو ألم في جزء معين من الجسم، إلى تجنب الحركة كلياً، ما يؤدي إلى ضعف العضلات المحيطة بالمنطقة المصابة، وعدم الحصول على العلاج الطبيعي أو التمارين المناسبة، وبالتالي تفاقم المشكلة وصعوبة استعادة القوة الوظيفية لاحقاً.
- الإفراط في التمرين المكثف دون فترات راحة كافية للتعافي قد يأتي بنتائج عكسية، وبدلاً من بناء العضلات، فإن الإجهاد المستمر يؤدي إلى تكسر الألياف العضلية والإصابة بما يُعرف ب«الإرهاق العضلي المزمن».
ينوه د.فياض أهمية الحفاظ على الكتلة العضلية واللياقة البدنية تزيد مع التقدم في العمر، لتجنب الضعف الجسدي وتقليل مخاطر الإصابات أو محدودية الحركة، لذلك يُنصح بممارسة تمارين المقاومة بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً باستخدام وزن الجسم أو الأوزان الخفيفة أو الأربطة المطاطية، مع التركيز على تدريب المجموعات العضلية الأساسية مثل عضلات الساقين والذراعين والكتفين والظهر والبطن.
ويضيف: يمكن الاستعانة بتمارين فعَّالة مثل: القرفصاء لتقوية الجزء السفلي من الجسم، والضغط لدعم عضلات الصدر والذراعين، والسحب لعضلات الظهر، إلى جانب تمرين البلانك الذي يعزز التوازن ويقوّي العضلات العميقة، كما يُعد الحفاظ على النشاط البدني اليومي جزءاً أساسياً من روتين تعزيز القوة العضلية، حيث يُنصح بالمشي بانتظام، والمشاركة في الأنشطة اليومية التي تحافظ على مرونة العضلات.
مشكلات مزمنة
يشير د.عبد المجيد خان، استشاري الطب الباطني، إلى أن الأمراض المزمنة تؤثر بشكل صامت وتدريجي في صحة العضلات من خلال مسارات متعددة، أبرزها الالتهاب المزمن، كما تُسبب العديد من الحالات طويلة الأمد، مثل: داء السكري وأمراض القلب، التهاباً مستمراً منخفض الدرجة يُسرِّع من تحلل بروتينات العضلات ويُعيق إصلاحها.
ويتابع: يتسبب داء السكري في ضعف مقاومة الأنسولين وقدرة الجسم على استخدام الجلوكوز بكفاءة داخل خلايا العضلات، ما يؤدي إلى التعب وضمور العضلات التدريجي، مع مرور الوقت، ويُسهم في انخفاض القدرة على الحركة والضعف البدني العام، وقصور القلب، وينجم عنه انخفاض إمدادات الدم والأكسجين إلى الأنسجة، إلى جانب التغيرات الالتهابية والهرمونية، وحالة تُسمى «هزال القلب» تتميز بهزال العضلات وفقدان الوزن.
ويضيف: يتسبب مرض الكلى المزمن في خلل توازن الإلكتروليتات والسموم في الجسم، ما يؤدي إلى فقدان البروتين عن طريق البول وتراكم الفضلات التي تُلحق الضرر المباشر بأنسجة العضلات، كما تؤدي اضطرابات الغدة الدرقية إلى تغيير عملية التمثيل الغذائي، قصور الغدة الدرقية وينجم عن فرط النشاط انهيار العضلات بسبب التمثيل الغذائي المفرط، في حين ينجم عن الضعف والتصلب، نتيجة انخفاض معدل دوران البروتين وإمدادات الطاقة.
يلفت د.خان إلى أن فقدان أو ضمور العضلات يتطور عادةً عبر ثلاث مراحل رئيسية، وهي كالآتي:
1. ضمور العضلات المبكر أو المحتمل، حيث يعاني الشخص انخفاضاً ملحوظاً في قوة العضلات، مثل: صعوبة صعود السلالم أو حمل البقالة، ولا يلاحظ المرضى بعد فقدان العضلات المرئي، ولكن قياسات القوة غالباً ما تكشف عن علامات مبكرة.
2. ضمور العضلات المؤكد، عندما تنخفض كل من القوة وكتلة العضلات، ويمكن قياس ذلك باستخدام أدوات التصوير أو تحليل المعاوقة الكهربائية الحيوية، ويبدأ المرضى في الشعور بالتعب وبطء الحركة.
3. ضمور العضلات الشديد، وتتضمن هذه المرحلة المتقدمة فقداناً كبيراً في كتلة العضلات والقوة والأداء البدني، وغالباً ما يؤدي إلى الوهن.
الكشف المبكر وقاية استباقية
تبدأ قوة العضلات في التناقص في وقت مبكر من العقد الرابع من العمر، وتشير الدراسات إلى أن الكتلة تنخفض بنسبة 1-2% سنوياً بعد سن الخمسين، وتنقص القوة بمعدل يصل إلى 3% سنوياً بعد سن الستين، ويحدث التناقص أسرع في النصف السفلي من الجسم منه في النصف العلوي، لذا يُصبح المشي وصعود السلالم والحفاظ على التوازن أكثر صعوبة مع التقدم في السن.
وتبدأ الوقاية بالكشف المبكر والإدارة الاستباقية، حتى لا يزيد انهيار العضلات وفقدانها للقوة، وذلك عن طريق اتباع الإجراءات الآتية:
1- يلعب النشاط البدني وتمارين المقاومة والقوة المنتظمة ووزن الجسم، والتدريبات الخفيفة دوراً هاماً في الحفاظ على العضلات وإعادة بنائها.
2- ينصح الخبراء بتناول كمية كافية من البروتين، مثل: اللحوم الخالية من الدهون والبيض والأسماك ومنتجات الألبان والبقوليات والمكسرات، تشير الدراسات إلى أن تناول البروتين بتوزيع متساوٍ على مدار اليوم يُحسن من تكوين العضلات.
3- يُقلل التحكم في سكر الدم وضغط الدم ومستويات الغدة الدرقية ووظائف الكلى من الإجهاد الداخلي على العضلات.
4- يسهم فحص مستويات فيتامين «د» والكالسيوم بشكل دوري في تقييم قوة العضلات وتناسقها، وتكوين الجسم في الكشف المبكر عن ضمور العضلات، ما يسمح بالتدخل في الوقت المناسب.