محمد إسماعيل زاهر

لكل منا قصة مع الكتاب، وفي الشارقة تأتي هذه القصة بمذاق خاص، فأينما تلفّت حولك فهناك قبس من كتاب، وظل من ثقافة، وضوء من معرفة، والقصة تتصاعد فصولها وأحداثها مع معرض الشارقة للكتاب، وهو اليوم يبلغ من العمر 44 دورة، أي أنه معرض شاب، وناضج في الوقت نفسه، وبتراكم العقود أصبحت معطياته الفكرية تحتاج إلى قراءات وقراءات، ومعطياته الوجدانية تغزو القلب بمعزّة خاصة، ومحبة من يرى المعرض وهو ينمو يوماً تلو الآخر، ويحقق النجاح في أعقاب النجاح.
أنت هنا في معرض الكتاب، أو في الشارقة تحديداً، والاسم بات مرادفاً لكل ما هو مثمر وخلّاق، ولأننا شاهدنا الإنجازات والنجاحات، فإن طموحنا لا يتوقف وشغفنا بالمعرفة والمزيد منها لا حدود له، رأيت المعرض يكبر ويكبر ولي معه ذكريات عديدة، ولا يمكن إلا أن أتمنى له المزيد، يحلم كل عاشق للقراءة بمعرض دائم للكتاب، هنا في الشارقة، أعمال ممثلة لدور النشر المختلفة تتجدد على مدار السنة بالإصدارات الجديدة، حتى لا يلجأ القارئ لطلب الكتب من مواقع شبكة «الإنترنت» أو يبحث عنها في المكتبات المختلفة، المعرض لم يعد مكاناً لعرض الكتب واستضافة المئات من دور النشر وحسب، ولكنه بات فعلاً وحراكاً مؤسسياً، ولذلك نحن نطمع في أن يتوافر الكتاب دائماً، أن يكون أمامنا على مدار الساعة، ولن يقوم بهذه المهمة إلا معرض الشارقة للكتاب، ذلك المعرض الذي يمكن وصفه بالأب الذي يرعى أولاده، وسيكون المعرض الدائم بمثابة ابنه البكر الذي يؤكد الدور والمكانة والمغزى والدلالة، فالأمم هي الكتب، وأمومة الأمة العربية للكتاب، هي أمومة لابد أن تكون بتوقيع مختلف.

عرس


يطمع كل عاشق للثقافة أيضاً في أن تتوالد عن المعرض الأب، معارض أصغر في مختلف مدن ومناطق الشارقة، حتى يكون الكتاب بمفاصله المختلفة في أيدي الجميع، ما أجمل أن يكون هناك معرض للكتاب في كلباء أو دبا الحصن أو الذيد، ما أجمل أن يكون للكتاب عرس في كل مكان، ما أجمل أن يشاركك الجميع الفرحة، وأن ينخرطوا معك في حوارات ونقاشات حول الكتاب، ستكون هذه المعارض بمثابة الأبناء الصغار للمعرض الأب.
لقد أصبحت الشارقة إمارة الكتاب، أو هي أمه الحنون التي ترعاه، ولا تدخر جهداً في كل ما يرفع شأنه، ومع هذه الأم الحنون لا تتوقف الأحلام والآمال والتطلعات، أحلام وتطلعات محبي الكتب، نحلم أيضاً بمؤسسة بحثية تراقب حركة النشر والتوزيع، وتقومها، وتصدر تقاريرها الدورية حول الكتاب العربي ومعدلات القراءة والترجمة، فالفعل الثقافي لا يكتمل إلا بالمتابعة والرصد والتحليل، فنحن نقتني الكتب ونقرأ لكي نراكِم المعرفة، وتلك الأخيرة لا يمكن أن تظل نظرية ولكنها تحتاج إلى أرقام وإحصائيات وقراءات لما يحدث وإجابات عن أسئلة لا تزال معلقة، فبعد نحو ربع قرن من التقريرين العربيين اللذين تحدثا عن معدلات القراءة والترجمة في العالم العربي، هل لا تزال الصورة كما هي، أم أن كل هذا الجهد في مختلف مراكز الفعل الثقافي العربي، وفي مقدمتها الشارقة، قد غير الأوضاع؟ هذه المؤسسة أيضاً سيكون منوطاً بها حسم ذلك الجدل حول المراوحة بين الكتاب الورقي والإلكتروني، وحول أنماط القراءة، وتفضيل الكتب، والإجابة عن أسئلة أخرى تتعلق برواج التأليف في حقل وتراجعه في آخر، وأرقام الطبعات التي توضع على الكتب هل هي حقيقية أم من أجل المزيد من الترويج والبيع.. إلى آخر ما يمكن أن تسهم به تلك المؤسسة أو المركز في الساحة الثقافية العربية؛ انطلاقاً من هنا من الشارقة.

قِبلة


المعرض بدوراته الـ44 مرة أخرى لا يزال شاباً، نتوقع منه الكثير، استطاع عبر عقود أن يتحول إلى قِبلة للمثقفين ولكل محب للكتاب، نحلم مثلاً بوصول الأدب العربي إلى كل مكان، عبر مشاركاته الناجحة في معارض الكتب العالمية، فالآخر لن يتعرف إلى أدبنا عبر الترجمة وحسب، ولكن من خلال الوصول بهذا الأدب ليس إلى القارئ هناك، ولكن إلى المؤسسات المرموقة التي تتبنى وتنشر وتؤثر، وتستطيع أن تلعب دوراً ما في حجز بطاقات في الجوائز العالمية، فالأديب العربي الفرد لن يستطيع القيام بتلك المهمة بمفرده، وكما تبنت الشارقة مشروعاً للمسرح العربي ومشروعاً مماثلاً لبيوت الشعر، فإنها بسمعتها وثقل معرضها تستطيع دعم الأديب العربي في المحافل الدولية.
إنها بعض المقترحات الشبيهة بالأحلام، ولكن هل هناك ثقافة من دون أحلام وتوقع الأفضل؟ لقد عودتنا الشارقة أن الكثير من أحلامنا في السابق تحولت إلى واقع ملموس، كان هناك تطلعات كثيرة حول معجم تاريخي للغة العربية، وأنجزته الشارقة، وتطلعات مماثلة بموسوعة عربية، ومرة أخرى فعلتها الشارقة، ومرة ثالثة بعمل مسرحي عربي موحد... إلخ، ولذلك الحلم الثقافي هنا ليس أكثر من إغماضة عين، ولا يوجد أفضل من أن نتطلع ونتمنى ونحن نعيش أيام معرض الكتاب، وفي إمارة الكتاب: الأم الحنونة لكل حالم بغدٍ أفضل للثقافة العربية.

[email protected]