كان من المتوقع أن تشكل مبادرة «الرباعية» التي تضم الإمارات ومصر والسعودية والولايات المتحدة، التي أطلقت في 11 سبتمبر/أيلول الماضي منطلقاً لحل الأزمة السودانية التي تحولت إلى حرب عبثية وكارثة إنسانية تجاوزت كل الحدود، لكنها على ما يبدو سوف تلحق بالمبادرات السابقة التي أطلقت من قبل، بعدما أعلن عبد الفتاح البرهان رئيس سلطة بورتسودان رفضه لها، متحدياً بذلك إرادة المجتمع الدولي الذي كان أطلق من قبل العديد من المبادرات، ومعها قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي منها القرارات 2736و1651و1591 و1593، إضافة إلى المبادرات العديدة الأخرى، ومنها المبادرة الإماراتية السويسرية في يناير/كانون الثاني 2024، والمبادرة السعودية الأمريكية في إبريل/نيسان 2023، ثم توقيع اتفاق جدة عام 2023، ومبادرة «الإيقاد» في يونيو/حزيران 2023، ومبادرة الاتحاد الإفريقي في مايو/أيار 2023، وكلها مبادرات لم تر النور نتيجة إصرار أمراء الحرب على المضي في حربهم على الشعب السوداني.
جاء رفض البرهان عندما قال إنه «سيواصل الحرب حتى النصر»، مؤكداً أنه «لن يفاوض ولن يساوم»، مدعياً أنه «يقاتل باسم الشعب»، وهو الشعب الذي سقط منه الآف الضحايا، وتشرد منه الملايين، إضافة إلى أبشع الجرائم التي ارتكبت بحقه، وتعرض للبطش والذبح والجوع والمرض، فعن أي شعب يدافع؟ وعن أي نصر يتحدث؟ ومتى وكيف سيحقق وهم النصر؟ وكم من الضحايا الأبرياء ينتظرون نصره؟
إن البرهان يطفئ بصيص الأمل الذي لاح من خلال «الرباعية» التي قدمت مبادرة متكاملة لحل الأزمة السودانية، والتي تتضمن التمسك الثابت بوحدة السودان واستقلاله وسيادته، ورفض أي حل عسكري للنزاع، والعمل على إيجاد حل سياسي لهذه الأزمة المستعصية، والدعوة إلى هدنة ثلاثة أشهر بين مختلف الفُرقاء من أجل توفير مساعدات إنسانية عاجلة للمتضررين من السكان، ثم إطلاق عملية سياسية لحل سلمي للسلطة لمدة تسعة أشهر تفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة الشعب السوداني، وإبعاد تيار الإسلام السياسي الذي كان مهيمناً على السلطة في العهد السابق. ويبدو أن هذا البند الأخير المتعلق تحديداً بجماعة الإخوان المسلمين هو ما أثار استفزاز رئيس سلطة بورتسودان، وكان وراء رفضه للمبادرة، لأنها تستبعد الظهير الذي يستند إليه، ويوفر له أسباب البقاء.
في مقابل رفض البرهان، أعلنت قوات الدعم السريع، موافقتها على مبادرة «الرباعية»، والدخول في هدنة إنسانية لإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة لجميع الشعب السوداني، والاستعداد «لمناقشة ترتيبات وقف العدائيات، والمبادئ الأساسية الحاكمة للمسار السياسي في السودان، بما يفضي إلى معالجة الأسباب الجذرية للحرب، وإنهاء المعاناة الإنسانية للشعب السوداني، وتهيئة البيئة الملائمة لسلام عادل وشامل ودائم من خلال التزام الأطراف به».
لكن موافقة طرف واحد على مبادرة «الرباعية» يعني أن الأزمة مستمرة وأن الحائط لا يزال مسدوداً أمام الحل، لأن طاولة المفاوضات تحتاج إلى أربع أرجل لا إلى اثنتين، ورقصة «الفالس» تحتاج إلى راقصين اثنين لا إلى واحد.
إن قوة الدفع السياسي التي ولدتها المبادرة، واكتسبت زخماً داخلياً وإقليمياً ودولياً- تتلاشى مع رفض البرهان لها، ما أدى إلى تعقيدات جديدة للأزمة السودانية، واستدعاء التعامل معها من منظور جديد يتعامل مع سلطة البرهان بلغة وأسلوب وأدوات جديدة.