كثيراً ما يتحدث الكُتَّاب من الروائيين والشعراء بشكل خاص عن الكُتب الأولى التي قرؤوها في طفولاتهم، أو في شبابهم الأول، وهي كتب آبائهم أو أجدادهم التي توفّرت لهم على مدى سنوات، وأصبحت مكتبات صغيرة في البيت، أو حتى في مخازن المؤونة، أو أنها هذه الكتب التي كانت في صناديق أو خزائن عتيقة وقد تراكم عليها الزمن على شكل غبار أو خيوط عنكبوت.
ما أجمل اكتشاف تلك الصناديق، وما أجمل العثور على الكتاب الأول في خزانة مهملة أو في مكتبة متداعية الرفوف، وقد بدت مثل بلدة صغيرة مهجورة.
بهذه الطريقة الروائية الشعرية الغنائية اكتشف بورخيس، وماركيز، ونيرودا، ونجيب محفوظ، وساراماغو، وعبدالله البردوني، وعبدالوهاب البياتي، وغيرهم من كُتّاب العالم، كتبهم، وربما، في اللحظة ذاتها، اكتشفوا أنفسهم، أو اكتشفوا الطريق الأول أو الخطوة الأولى نحو مصائرهم الشخصية والوجودية.
إن العلامة الأولى هي الكتاب، ذلك الكتاب الذي يخصّ العائلة أو أنه واحد من العائلة، ثم حدث أن كتاباً أدّى إلى كتاب، أو أن كتاباً جرّ كتاباً إلى أن تكوّنت هذه المكتبات البيتية في حيّزاتها المكانية العابقة دائماً برائحة الماضي البعيد.
ولكل مكتبة أو لكل كتاب حكاية بسيطة جميلة تتصل بهذا الإنسان الجميل الذي اقتنى الكتب منذ زمن بعيد.
إنه أب أو أنه جَدّ، وربما هي الأم الرؤوم التي كانت تقرأ وتكتب، وربما هو الأب الذي سافر كثيراً، ورأى العديد من المدن، ومن كل مدينة كان يشتري كتاباً، أو يحتفظ بمخطوطة، أو يحمل وثيقة.
وكانت تلك الكتب تدلّنا على ثقافة أهلنا، ثقافة الأب والأم والجدّ والجدّة، فإذا كانت كُتباً في الأديان والروحانيات والعقائد فهي تشير إلى أب متدين، أو جَدّ روحاني صوفي، أما إذا كانت كُتباً في الأدب، فقد يكون وراءها من هو شاعر أو ناثر، وإذا كانت كُتباً في الحروب والدول والشعوب، فقد يكون وراءها من هو مؤرخ أو أنه يحب قراءة التاريخ.
يتحدث الكتَّاب عن آبائهم وأجدادهم حينما يتحدثون عن الكتب، وتحضر في حكاياتهم العائلية تلك شخصية الأم، أو الجدّة أو العمّة، تلك المرأة، أي العمّة، التي غالباً ما تكون جميلة، تقرأ وتكتب، أو ترسم، وغالباً أيضاً ما تحب الرقص أو الغناء.
ما من كلام عن الكتب في الطفولة أو في بيت العائلة الأول إلا وكان كلاماً عن حياة العائلة، وربما تاريخها وثقافتها العامّة..
تاريخ الكتب في بيوتنا هو في الواقع تاريخنا نحن البشر، وما المكتبة في البيت سوى وثيقة لجذور العائلة، فهنا كان يقرأ الجَدّ، وهناك كانت تقرأ الجدّة، هنا كان الأب يقلّب صفحات كتابه، وهناك، كانت الأم تسرد الحكايات.
الزمن أيضاً يقاس بالكتب، وبالكتب تُعرف الحضارات.