إلامَ الخُلْف بينكم أيّها الخائضون في فوز زهران ممداني؟ يقيناً، لا يعترض العاقل على حريّات الفكر والرأي والتعبير، شريطة ألّا يكون صاحب الموقف لا يعجبه العجب، ولا الاعتراف بالحق إذا وجب. الذين نظروا بريبة إلى انتخابه عمدةً لمدينة المال والأعمال الأمريكية العالمية، غامزين إلى أنه لن يخطو قيد أنملة نملة، خارج المرسوم له سلفاً، وإلّا فار وطار، إنما يجب سؤالهم: هل كان سيثلج صدوركم أن يتولى المنصب شخص مثل العمدة الأسبق جيولياني؟ مع حق الاختلاف، أولئك يرون أن اللعبة الانتخابية، جملةً وتفصيلاً، كانت تمويهاً وتضليلاً، لأن خيوط الدمى المتحركة كلها في أيدي كواليس الدولة العميقة.
لا تصديق ولا تكذيب، فالأعلم بالسرائر علّام الغيوب. لكن طريقة التفكير هذه تقود واهميها إلى عبثية تاريخية، ترى التاريخَ جلمودَ صخر، أو مسرحَ لامعقولٍ لا يتغير فيه المخرج والإخراج والممثلون. قد تكون وجهات نظرهم صائبةً مصيبةً، وقد تكون مصاباً مصيبةً. الأمل في أن يخترع الذكاء الاصطناعي للبشر فرعاً جديداً من طب العيون، متخصصاً في علاج عيون العقول.
أوَليس الرأي والرؤية من جذر لغوي واحد؟! ليس ذلك تلويحاً إلى قول جلال الدين الرومي: «في يد الأعمى، العصا أولى من القنديل». العالم تغير كثيراً، ولكن بعض الناس لا يدركون، وستتغيّر الأحداث أكثر، فذلك الذي قطع يوماً بنهاية التاريخ، هو اليوم يدرك أن آراءه التي ظن من قبل أنها حتمية تاريخية، ليست سوى أوراق اصفرّت وتناثرت وحملها نهر التاريخ.
لأولئك كل الحق في أن يصدحوا بما طاب لهم، حتى ولو اعتقدوا أن زهران ليس زهريْن، بل هو شَوْكان، في خاصرة قاطني نيويورك، الذين سيكتشفون، عاجلاً أو آجلاً، أنه جزء من مخطط محكم ضد المسلمين والعرب والمهاجرين. لكنه، سيكون أفضل من غيره. في الشدائد، أضعف الإيمان كلمة حق أمام نظام عالمي جائر. العِبرة في أنه إذا كان انتصاره الساحق أكذوبةً وألعوبةً، فإن على الشعوب المستهدفة، أن تدرك أكثر من أيّ وقت مضى، أن الكذب من أقوى أسلحة الدمار الشامل، فلتتحسس مصيرها. بالأمس كان العراق وليبيا وسوريا.
لزوم ما يلزم: النتيجة المتنبّويّة: «لكنْ رأيتُ قبيحاً أن يُجادَ لنا.. وأنّنا بقضاء الحقّ بُخّالُ».

[email protected]