محمد القبيسي

أحياناً أفتح الهاتف لأرى ما يحدث في العالم، وطبيعي أن تكون أول محطة هي مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ما أراه هو الوجوه نفسها، المواضيع نفسها، اليوميات نفسها التي تعاد بنسخة مختلفة من اليوم السابق. قبل سنوات كنت أتابع المنصات بشغف، أبحث عن فكرة جديدة أو قصة تلهمني، أما اليوم، فلا شيء يدهش، كأننا نشاهد الحياة على إعادة مستمرة، حتى المفاجآت صارت متوقعة.
الكثير من الناس الذين أعرفهم وصلوا إلى الحالة نفسها، حين أسألهم إن كانوا ما زالوا يتابعون، يبتسمون بتعب ويقولون «خلاص شبعنا»، لم يعد هناك ما يستفاد أو ما يدهش، وكأن السوشيال ميديا استهلكت نفسها، المؤثرون يكررون محتواهم، والمنصات تحاول إحياء الاهتمام بجوائز وتحفيزات، كأنها متجر قديم يبحث عن زبائنه المفقودين، حتى المتابع نفسه صار يفتح الهاتف بدافع العادة لا الفضول، يتنقل بلا شغف، كمن يمر على وجوه يعرف نهايتها.
في بدايتها، كانت المنصات مساحة للتواصل الإنساني وبناء العلاقات، ثم تحولت تدريجياً إلى مسرح للذات، ثم إلى سوق مزدحم بالبائعين، والمعلنين، والمتسولين. اليوم، كلما تفتح المنصات، تجد أشخاصاً يجلسون أمام الكاميرا يتسولون بطرق احترافية، يطلبون الدعم أو التبرع تحت أي ذريعة، بعضهم فعلاً محتاج، لكن كثيرين منهم احترفوا لعبة الاستعطاف، يحولون كل لحظة إلى فرصة للربح، حتى فقدت هذه الأفعال معناها الإنساني.
لم تعد المسألة تواصلاً بل تجارة انتباه، والنتيجة أن الإنسان فقد رغبته في المشاركة، لأنه لم يعد يشعر بأنه يرى بل يستهلك. الملل هنا ليس ضعفاً في الاهتمام، بل نضج في الوعي، هو لحظة اكتفاء داخلية تدرك أن تكرار الصورة لا يصنع حياة، لقد عاش الجيل السابق ذروة الانبهار بالمنصات، أما الجيل الحالي فيعيش ذروة التشبع، وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يبدأ بالبحث عن معنى أعمق من الشاشة.
في المقابل، بدأ الذكاء الاصطناعي يصعد بهدوء ليملأ الفراغ، يقدم لك ما تبحث عنه بذكاء وصدق، دون مبالغة أو استعراض، يكتب، يلخص، يحلل، ويصنع أفلاماً وقصصاً، مانحاً الإنسان ما كانت السوشيال ميديا تعده به من وقت واهتمام وحوار حقيقي. لقد وجد الذكاء الاصطناعي مكانه الطبيعي في عالم أنهكه الضجيج، وصار يمنح الإنسان ما عجزت المنصات عن تقديمه.
قد لا تكون السوشيال ميديا انتهت، لكنها بالتأكيد فقدت سحرها الأول، ومن يدرك هذا لا ينسحب من العالم، بل يعود إليه من زاوية أعمق، فربما تكون المرحلة القادمة ليست «ما الجديد الذي نتابعه» بل «ما الذي يستحق أن نعيشه»، لأن الإنسان الذي شبع من الضجيج، لا يبحث عن منصة جديدة، بل عن نفسه.

[email protected]