كان الروائي الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال (76 عاماً) قصة الصحافة الثقافية بين باريس وبرلين وروما خلال الأسبوعين الماضيين، وقد بدأت القصة حين طلب الرئيس الألماني فرانك فالتر شتانيمار من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون الإفراج عن صنصال المسجون في الجزائر، نظراً لتدهور صحته، وتأمين العلاج له في ألمانيا، وبالفعل، استجاب الرئيس تبّون لطلب الرئيس الألماني، وجرى الإفراج عن صنصال قبل ثلاثة أيام، ثم نقلته طائرة عسكرية ألمانية إلى برلين لتلقي العلاج، وبالطبع، كانت هناك رسائل شكر ومودّة متبادلة بين الرئيسين الألماني والجزائري في سياق هذه الشفافية في الإفراج عن الروائي الفرانكفوني، والذي يكتب رواياته بالفرنسية، وهو يقول إنه لا يعرف العربية، بل يعرف الكلام باللهجة الجزائرية الدارجة.
حصل صنصال على الجنسية الفرنسية في العام 2024، وسبق للرئيس الفرنسي ساركوزي أن طلب من الرئيس الجزائري الإفراج عنه، ولكن تبّون رفض، وبقي صنصال في السجن مدة عام، إلى أن أفرج عنه قبل أيام.
قصة مبطنة بالسياسة مئة في المئة، إذا عرفنا أن إيطاليا أيضاً كانت قد دخلت على خط الإفراج عن الروائي ذي الأصول الأمازيغية، أو البربرية، أضف إلى ذلك أن صنصال اعتقل في الجزائر فور عودته إلى بلده الأصل قادماً من فرنسا، وهو يعرف مسبقاً أنه أدلى بتصريحات سياسية تمسّ سيادة الجزائر، إضافة إلى أن الروائي المنشغل عادة بمشروعه الأدبي والثقافي ليس مطلوباً منه أن يورّط نفسه في خطاب سياسي ليس من شأنه أو من اختصاصه، وحتى الكتّاب الفرنسيين الذين يشكلون نموذجاً ثقافياً مثالياً للكتّاب العرب الذين يكتبون بالفرنسية لا يورّطون أنفسهم في مثل هذه الرمال السياسية المتحركة.
يلفت النظر أيضاً في شخصية صنصال موقفه الهجومي دائماً على سياسة التعريب في الجزائر التي بدأت منذ أوائل ثمانينات القرن العشرين، ويعتبر هذه السياسة أيديولوجية مفروضة على الجزائريين، وهو كلام مردود عليه تماماً وليس صحيحاً، فهناك العشرات من الكتاب الجزائريين يكتبون بالعربية مباشرة، ولا يشعرون إزاءها بأي عائق أو أدلجة كما يرى صنصال.
ياسمينة خضرة، ورشيد بوجدرة، وأحلام مستغانمي، وواسيني الأعرج، وغيرهم من كتّاب الرواية الجزائرية يكتبون بالعربية، وكان مالك حدّاد يقول: اللغة العربية وطني، والفرنسية منفاي.
مرونة الرئيس الجزائري تُحترم، وإنسانية الرئيس الألماني تعبّر عن تقديره الثقافي لقيمة الكتابة ومعناها الحضاري في بلده، وفي العالم.