يروي جان جُنيه أنه كان ذات يوم في زيارة لدار منشورات «غاليمار» فوجد حزمة من الكتب في مكتب مخصص في العادة للمؤلفين، يوقعون فيه كتبهم الجديدة، ويخطون عليها عبارات الإهداء التقليدية إلى الشخصيات الأدبية والصحفيين والنقاد. ويقول جُنيه إنه رأى واحداً من بين تلك الكتب لمونترلان، المؤلف اليميني المعروف، وبعدما تأكد جُنيه من أن أحداً لا يراقبه، جلس، وحوّر بقلمه العبارة المألوفة التي تكتب عادة في إهداءات الكتب وهي «.. مع تقدير المؤلف» وجعلها، «إلى تقدير المؤلف....» وكتب كلمة معناها المخفف «المنافق أو الكاذب»، وفيما بعد أُرسلت نسخ الكتاب إلى الأشخاص المعنيين، وكان بينهم أعضاء في الأكاديمية الفرنسية وكتّاب معروفون، وقد احتج بعضهم بالهاتف، وتم إرجاع الكتاب.
ذلك جانب من شخصية جُنيه الساخرة المتمردة، ومن الواجب المهني هنا الإشارة إلى مصدر هذه الحكاية التي رواها جُنيه، والمصدر هو كتابه «شعرية التمرد» الذي أعده، وقدّم له د. مالك سلمان وصدرت طبعته الأولى المترجمة إلى العربية في عام 1998، وفيه الكثير من الحكايات الطريفة الغريبة، لكنها تعبّر في مجملها عن الروح القلقة، بل المعذبة لجان جُنيه.
ولكن، ماذا عن دار «غاليمار» الأشهر في باريس بل ربما الأشهر في أوروبا، قارة الحداثة الثقافية وما بعد الحداثة.
كان جُنيه يحصل على المال من دار «غاليمار» بانتظام، وحيثما كان كانت تصله النقود، وهكذا عاش وهو يلعب بالفلوس، كما يقولون، ولكنه كان يعرف كيف يلعب. هنا، أو هناك، في باريس، أو في أي مكان آخر في العالم، لم يكن في حاجة إلى أحد، ليس لأنه ثريّ، بل لأنه كاتب، وكاتب مستقل يأكل من كتبه.
ولكن لا يكفي الكاتب أن يأكل من كتبه هكذا بلا مؤسسة تحفظ له كرامته، أقصد مؤسسة نشر، وكانت «غاليمار» هي تلك التي حفظت كرامة جُنيه.
تصل دار «غاليمار» في اليوم الواحد 250 رواية كما يقول الروائي الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال في حوار مع الروائي العراقي شاكر نوري (حدائق موليير صفحة 75)، ويقول: هذه الروايات تخضع إلى تصفية أولية، وتصفية ثانية «لكي تصعد إلى الطابق الأول في غاليمار».
ويضيف صنصال: «غاليمار تدفع جميع مصاريفي من تذاكر السفر إلى السكن والمصروفات الأخرى، بل إنني أسكن في الشقق التي تمتلكها الدار والملحقة بها».
غير أن الفرق كبير بين جُنيه وصنصال، جُنيه كان ينام في فنادق باريس، ولم يكن يقبل أن ينام في شقق «غاليمار»، جُنيه أيضاً، زار المخيمات الفلسطينية في بيروت، ودمشق، وعمّان، في سبعينات القرن العشرين، ووضع واحداً من أجمل كتبه «أسير عاشق»، في حين ذهب صنصال إلى إسرائيل، والزيارة وراءها نوع من تسوّل جائزة هنا، أو جائزة هناك، وهو صديق عزيز لناشر إسرائيلي الأمر الذي جعله عرضة لانتقادات عربية وعالمية.
ثمة فرق بين «غاليمار» جان جُنيه، و«غاليمار» صنصال أو غيره من كتّاب الفرانكفونية الانتهازية في بعض الأحيان، وليس في كلها.