د. موزة سيف الدرمكي

لم يعد الصمت الأسري اليوم ناتجاً عن غياب أحد أفراد العائلة أو ضيق الوقت الذي لا يسمح باللقاء فحسب، بل أصبح نتيجة مباشرة لسيطرة الأجهزة الذكية والجوالات على الحياة اليومية داخل المنزل.
باتت الطفولة تُربي نفسها بنفسها رغم امتلاء المكان بالأشخاص، حيث إن أفراد الأسرة يجلسون في مكان واحد وعلى أريكة واحدة، لكن كلاً منهم يعيش في عالمه الافتراضي الخاص، تاركاً فراغاً وصمتاً رهيباً كأن لا أحد في المكان.
إن امتلاك جميع أفراد الأسرة حتى الصغار منهم الأجهزة يقلل من التواصل اللفظي والبصري بين أفراد الأسرة وجودته، وإذا ما تواصل أحدهم مع الآخر، يرد عليه الآخر في عجالة مع إظهار مشاعر الضيق والانزعاج نتيجة فصله للحظة عن عالمه الافتراضي الخاص، ما يعطي الشخص الآخر فكرة بضرورة عدم الاقتراب أو التدخل مرة أخرى. هذا يؤثر تدريجياً في مشاعر الطفل تجاه ذاته وقدرته على الشعور بقيمته داخل الأسرة.
فعندما يشعر الطفل بأنه خيار ثانوي بعد الهاتف، فإن هذا يبعث في نفسه شعوراً بأنه غير مهم، وأنه لا يوجد هناك من يستمع له أو يشاركه مشاعره. ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الشعور إلى ضعف في الثقة بالنفس، أو ميول انسحابية، أو عناد وسلوكيات سلبية عدوانية مضادة للآخرين والمجتمع أو تعلق مفرط بالأجهزة لتعويض الاحتياجات العاطفية المفقودة، ناهيك عن أن غياب الحوار الأسري قد يخلق فجوة أكبر، هي اتجاه الطفل إلى مصادر أخرى للحصول على الأمان والمعرفة، بعضها قد يكون مضللًا للطفل ومهدداً لاستقراره وشعوره بالأمان والراحة النفسية.
أخيراً، على الأسر أن تؤمن بأن التصرف الأمثل في مثل هذه الحالات ليس منع الجوالات والأجهزة، بل في ضبط استخدامها بحكمة وروية، الذي يُفترض أن يبدأ من الوالدين أساساً ويمتد إلى العائلة. إن الحوار اليومي، وحضناً دافئاً، ونظرة ملأى بالحب والاهتمام، قد تنقذ طفلاً من شعور دائم بالغربة وعدم الأهمية.