في ظل التغيرات الراهنة والتحديات المتعددة، أصبح من الضروري أن يكون أبناؤنا على وعي بالواقع الذي يحيط بهم لأبعد من إيقاظ عقولهم وأذهانهم على ما يدور حولهم من أحداث ومجريات، ودعم محصولهم اللغوي ومدركاتهم ببعض المصطلحات الجديدة عليهم، التي ربما يسمعونها للمرة الأولى، كرفع مستوى الجاهزية وإعلان حالة الطوارئ ودور أمن الدولة وخط الدفاع الأول في التصدي لأي خطر يمس أمن الدولة ويهدد سلامة مواطنيها وأمنهم.
وعلى أبنائنا أن يدركوا أن لكل فرد في هذا المجتمع دوراً ومسؤولية، وأن على كل منهم أن يؤدي واجبه من مكانه ومنصبه على أكمل وجه، سواء كان طالباً على مقاعد الدراسة أو موظفاً من مكان عمله أو فرداً في أسرته، ليكون جزءاً فاعلاً ومؤثراً في هذه المنظومة.
كما يجب أن يفهم أبناؤنا أهمية الدور الذي يقوم به حكامنا وولاة أمرنا، إلى جانب القوات المسلحة، ووزارة الداخلية، وإدارة الطوارئ والأزمات، وخط الدفاع الأول بشكل عام، الذين يسهرون على حماية وطننا وتأمين حياة مواطنيه، وضمان راحتهم. كما يجب أن تعلموهم أن ما يقوم به هؤلاء ليس مجرد واجب روتيني، بل هو واجب وطني وتضحية بالنفس من أجل الحفاظ على أمن الوطن والمواطن.
علّموهم أنه سيأتي يوم يتبوأ كل منهم مكانه في خدمة هذا الوطن والدفاع عنه وصون ممتلكاته، وعليهم أن يدركوا أن المستقبل سيُقاد بأيديهم، وأن الحمل الذي سيُوضع على ظهورهم لقيادة المسيرة الوطنية يتطلب استعداداً مبكراً بالعلم والمعرفة والأخلاق والانضباط والعمل الجاد.
فالطالب الذي يُزرع فيه الوعي بمسؤولياته تجاه نفسه وأهلـــه ووطنه منذ الصغر، يصبح قادراً على القيـــام بدوره في كل مرحلة بثقة واقتدار، مدركاً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ومقــدّراً الإمكانات التي سخرت لأجله، محولاً هذه الإمكانات إلى فرص وإنجـــازات حقيقية في ميادين البناء والتمكين والتنمية، مســـاهماً في تعزيـــز سمعة وطنه، رافعاً رايته عالياً.
في ظل الأوضاع الراهنة، أصبح التعليم عن بُعد ضرورة ملحّة فرضتها التحديات، باعتباره وسيلة تضمن استمرارية المسيرة التعليمية وعدم توقفها تحت أي ظرف. ولم يعد هذا النمط خياراً مؤقتاً، ففي ظل استمرار التوتر في المنطقة، أصبح الوضع يتطلب تمديد التعليم عن بعد حفاظاً على سلامة الجميع.
وفي سياق متصل، يؤكد ولاة أمرنا وحكامنا حفظهم الله على ضرورة عدم الاستهانة بهذه المرحلة، مؤكدين على أهمية التعليم بوصفه أولوية لا تقل أهمية عن الصحة، واضعين ميزانيات سخية لتطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز منصات التعلم، وتمكين الكوادر التعليمية، بما يضمن استمرارية التعليم بجودة عالية في مختلف الظروف، مما يعكس رؤية قوية ووعياً عميقاً بأهمية بناء الإنسان علمياً لجعله مستعداً للفترة القادمة.
هذا التحول لا يقتصر على دور وزارة التربية والتعليم أو المعلم فحسب، بل يمتد ليشمل الطالب وولي أمره كشريكين أساسيين في العملية التعليمية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور الطالب بشكل خاص، إذ لم يعد متلقياً سلبياً، بل طرفاً فاعلاً يتحمل مسؤولية تعلمه. فالمرحلة الحالية تتطلب منه وعياً أكبر، وانضباطاً ذاتياً، والالتزام بحضور الدروس والمشاركة الفعّالة فيها. كما ينبغي أن يدرك أن نجاحه في هذه التجربة مرهون بمدى جديته وإحساسه بالمسؤولية تجاه مستقبله وأهله ووطنه، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها دولته والعالم..
ومن هنا، ينبغي على أولياء الأمور إدراك أن التعليم عن بُعد ليس مجرد حل طارئ، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل أبنائهم، يسهم في تنمية مهاراتهم وتعزيز استقلاليتهم وقدرتهم على التعلم الذاتي. فكل جهد يُبذل اليوم سينعكس إيجاباً على بناء شخصية الطالب ومستقبله العلمي غداً.
وأخيراً، لا ينبغي أن تمر هذه المرحلة دون تحقيق أقصى استفادة من الإمكانات والتقنيات والدعم الذي أولته لها حكومتنا الرشيدة، فاستثمار هذه الأدوات بشكل فعّال كفيل بتحقيق نتائج استثنائية وصنع جيل أكثر وعياً وقدرة على مواجهة المستقبل.
في كل فصل دراسي تقريباً، يوجد طالب كثير الحركة، قليل التركيز، سريع المقاطعة، ومصدر إزعاج مستمر للمعلم والطلاب. وغالباً ما يُنظر إليه، باعتباره مشكلة سلوكية تحتاج إلى ضبط.
لكن السؤال الأهم الذي يتم تجاهله غالباً: هل المشكلة في الطالب فعلاً، أم في الطريقة التي نعلّمه من خلالها؟ أم في مستوى قدرات الطالب التي لا تتناسب مع مستوى المحتوى المقدم؟
كثير من هؤلاء الطلاب، لا يعانون ضعفاً في القدرات، بل يعانون من عدم التوافق بين أسلوب تعلمهم، وطريقة التدريس المقدّمة لهم. فحين يُجبر طفل نشيط، فضولي، سريع الملل، على الجلوس طويلاً، للاستماع فقط دون تفاعل، فإن السلوك يصبح طريقة للتعبير عن عدم ارتياحه. فالشغب والحركة هنا ليست عناداً، أو عدم استجابة للتعليمات، بل تعبير عن احتياج.
وحين لا يتناسب مستوى المهارات المقدَّمة، مع مستوى الطالب الذكي، أو صاحب القدرات العالية، فهذا يعني أننا لا نُشعل لديه شرارة الفضول، بل نُطفئها. ويشعر بأن ما يُقدَّم له مكرّر ومستهلك، وأنه يعرفه مسبقاً، فيفقد الإحساس بالتحدي.
وعندها لا يختفي الفضول، بل يبحث عن مخرج آخر، فيتحول الفراغ الذهني داخل الحصة، إلى سلوكيات بديلة تُشبع ذلك الفضول، وغالباً ما يفسر ذلك على أنه شغب أو عدم انضباط.
لا يعني هذا تبرير السلوكيات غير المنضبطة الظاهرة على الطلاب، بل هي إشارة لإعادة النظر في أساليبنا. فالتعليم الفعّال هو الذي ينوّع في طرائقه وأساليبه، كما أنه يراعي الفروق في أنماط التعلم لدى الطلبة، ويمنح مساحة للحركة، والمشاركة، والتجربة، ويحوّل الطاقة الزائدة إلى تعلّم منتج.
وربما لا نحتاج إلى تعديل سلوك الطالب المشاغب، بل إلى تغيير الطرائق والاستراتيجيات التعليمية، والتي قد ينتج عنها طلاب أكثر إبداعاً وتأثيراً، لو أُحسن فهمهم.
جامعة كلباء
حين نصل إلى فترة الامتحانات، تسود حالة من التوتر والضجيج داخل البيوت، وحين نقترب قليلاً من المشهد، نلاحظ أن كثيراً من أولياء الأمور يوجّهون كل جهودهم نحو هدف واحد: هو الدرجة أو النتيجة النهائية، فيتحوّل دورهم تدريجياً من داعمين إلى مراقبين، ومن مصدر أمان إلى مصدر ضغط على الطالب، ويُختزل العام الدراسي في أيام قليلة من المراجعة، والحفظ المكثف، والسهر، والقلق.
ويصبح الحديث اليومي محصوراً في الأسئلة نفسها: كم حصلت؟ وأين كان الخطأ؟ ولماذا لم تنتبه؟ ثم يدخل الجميع في حالة انتظار يسودها القلق، وكأن الامتحان حدث مصيري، دون وقفة تأمل حقيقية حول ما اكتسبه الطالب فعلياً من هذا الجهد.
ومع تكرار هذا المشهد عاماً بعد عام، يُدفع الأبناء دون قصد إلى القلق الدائم من المدرسة والامتحانات، ليكون الحصاد في الغالب طالباً متوتراً يحتاج إلى دعم نفسي أكثر من حاجته إلى مزيد من المراجعة.
هذه الحالة تكشف عن علاقة مضطربة بين أولياء الأمور والامتحانات، ويغلب عليها القلق أكثر من الفهم، رغم أن المشكلة لا تكمن في الامتحان ذاته، بل في طريقة النظر إليه والتعامل معه.
وهنا تبرز أهمية إعادة النظر في ثقافة المراجعة في المجتمع، بحيث تصبح ممارسة مستمرة أولاً بأول، لا حالة طوارئ مرتبطة بالامتحان فقط.
فالمتابعة اليومية تخفف الضغط، وتعمق الفهم، وتعيد برمجة وعي الطلبة وأولياء أمورهم على أن التعلّم مسار تراكمي لا مرحلة مؤقتة مرتبطة بالامتحانات فقط.
وهنا يقع على عاتق أولياء الأمور والمعلمين دعم هذا التوجه، من خلال تشجيع الطلبة على تنظيم الوقت، وتشجيع المراجعة المستمرة، ما يخلق بيئة أكثر استقراراً وتوازناً في فترة الامتحانات.
في عصر تتسارع فيه التغيرات، وتغمر الطفل المؤثرات من كل جانب، لم تعد التربية مجرد التزام يومي أو مهمة روتينية، بل مشروعاً مستقبلياً واعياً يحتاج إلى رؤية واضحة واستراتيجيات مدروسة. فاليوم أن تكون أباً أو أماً لا يعني أنك تربي طفلاً فقط وتحافظ على سلامته، بل تصنع إنساناً قادراً على الاعتماد على نفسه والمساهمة بفاعلية في بناء مجتمعه.
وأولى استراتيجيات التربية الناجحة هي القدوة الحية؛ فالطفل يتعلم من أفعالنا قبل كلماتنا. فالصدق، وضبط النفس، واحترام الآخرين، والالتزام، كلها دروس تُشكل وعيه قبل تعلم الحروف أو الأرقام. يليها غرس القيم والعادات قبل المهارات، ليعرف الطفل من هو، وما يمثله، وما هي حدوده، من أجل بناء هوية قوية وقيم راسخة.
وبدلاً من تحميل الطفل المسؤولية عن فشلٍ أو إخفاقٍ ما، لا بد من التركيز على تعليمه مهارات حل المشكلات واتخاذ القرار بذكاء، وذلك من خلال إشراكه في مواقف يومية تتطلب التفكير والاختيار، الأمر الذي ينمي لديه الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة التحديات. كما يمكن تصميم مواقف تربوية هادفة لتنمية الفضول والاستكشاف، عبر الرحلات العلمية، والتجارب العملية، ودعم اهتمامات الطفل، لتوسيع مداركه وإشباع شغفه، ما يخلق عقلاً نشطاً قادراً على التفكير النقدي والإبداع.
ولا تقل أهمية تنمية الدافعية والجرأة عن سابقتها، وذلك من خلال الرياضات الجماعية، والدفاع عن النفس، والمشاركة في المناظرات المناسبة لعمره، فالمنافسات الواقعية والمخططة تُعلم الطفل التعبير عن ذاته بثقة، واحترام الآخرين، والاتزان في السلوك. وهذا جميعه لا يلغي وجود الحزم المتزن عند الضرورة.
في النهاية، أفضل المربين ليسوا مثاليين، بل واعون، وأعظم إرث يمكن أن يتركه الوالدان هو طفل واثق، سويّ، قادر على مواجهة المستقبل بثبات.
د. موزة سيف الدرمكي*
الدعوة إلى غرس الجرأة والشجاعة في نفس الطفل ليست فكرة عابرة ولا ادّعاءً للمثالية، بل هي عملية تربوية واعية ومقصودة، تبدأ منذ السنوات الأولى وتستمر مع نموه. فالشجاعة والجرأة لا تعني غياب الخوف، وإنما القدرة على مواجهته بثقة واتزان.
ويأتي الدور الأول في هذا الجانب للأسرة من خلال توفير بيئة آمنة يشعر فيها الطفل بالقبول غير المشروط، حيث تزرع فيه أن الخطأ تجربة تعليمية لا سبب للعقاب أو السخرية.
كما أن تحميل الطفل المسؤولية منذ الصغر، بما يتناسب مع عمره، كالعناية بأغراضه أو الالتزام بواجباته اليومية، يعزز لديه الإحساس بالقيمة والاعتماد على الذات، وهما أساس الشجاعة الحقيقية.
ومن المهم تشجيع الطفل على اتخاذ قرارات منذ الصغر، والتعبير عن رأيه بحرية واحترام، لأن ذلك ينمّي لديه الجرأة على الكلام والدفاع عن نفسه.
وتعد ممارسة رياضات الجرأة والدفاع عن النفس من الوسائل التربوية المؤثرة، إذ لا تقتصر على بناء القوة الجسدية فحسب، بل تُنمّي الانضباط، وضبط النفس، والثقة بالقدرة على المواجهة دون عدوانية.
ولا نغفل في هذا الجانب الدور البالغ للقراءة، فهي غذاء الروح، تنعش الفكر، وتهذب النفس، وتوسّع المدارك.
كما أن إقحام الطفل في مجالس الرجال، وإشراكه في الحوارات الهادفة، يفتح أمامه مدرسة واقعية للقيم، فالمجالس مدارس يتعلم فيها الطفل آداب الحديث، والجرأة في الطرح، واحترام الرأي الآخر، والمهارات والخبرات المتعلمة، من خلالها لا يمكن تعلمه ولو لسنوات في الحياة العادية.
ولا يقل دور القدوة أهمية، فالطفل يتعلم الشجاعة حين يرى الكبار يتعاملون مع المواقف الصعبة بحكمة وثبات. وعند ثنائنا على المحاولة لا على النتيجة فقط، نحن نغرس في الطفل قناعة راسخة بأن الشجاعة تكمن في الإقدام والمبادرة والسعي، لا في الصمت والخوف من الفشل لأجل الإحساس بالكمال.
* جامعة كلباء