تأتي الدورة 26 من مهرجان الفنون الإسلامية لهذا العام تحت شعار «سراج» الذي يحمل الكثير من الإحالات والدلالات الجمالية، والرّوحية، والثقافية في آن واحد، منذ البداية، يُحيل الشعار إلى معنى او مفهوم النور، نور الدّاخل ونور الخارج، بل لعلّ النور الداخلي للإنسان بوجه خاص هو الذي يحدّد وَيُعيّن نور الخارج المنبثق من روحه وقلبه وعقله، ولذلك، قد يصادفك إنسان عادي، بسيط المظهر ومتواضع الحياة المادية والاجتماعية، لكنه كلّه مشرق في وجهه وفي كلامه وفي حركته، ومن دون ترتيب أو مبالغة أو افتعال.
شعار المهرجان لهذه الدورة يدفعنا، ببساطة، إلى تأمل انفسنا، وذواتنا، من داخلها حيث في داخل الإنسان تكمن حقيقته، وكينونته البشرية والرّوحية، وحيث لا يستطيع المرء أن يخدع نفسه، ولا يستطيع أن يسجن هذه النفس في الظلام، ذلك ببساطة لأن ذلك السراج الذي في داخله قادر على تذويب أي عتمة في الرّوح التي تحدّد وحدها عتمة الإنسان، أو إشراقاته وأنواره.
الآن، ما علاقة كل هذه التداعيات أو الإحالات بالأعمال الفنية في المهرجان وفي إطار شعار «السراج»؟ الإجابة موجودة في تلك الأعمال، ففي الكلمة، التي ولدت أصلاً من الحروف أو الخطوط هناك سراج، وفي اللوحة الخطية والحروفية هناك سراج، وفي الزخرفة سراج، وفي المنحوتة سراج، وفي المعمار سراج، والسراج هنا، بالطبع بمعناه الجمالي الدلالي والثقافي، الجمال الذي ينبثق من الفن، والطمأنينة التي تولد من الخط أو من اللوحة أو من الجدارية الحروفية بكل ما فيها من غنائية وتجريدية، وصوفية، وتأمّلية، وهي كلها تقع تحت توصيف واحد هو: النّور.
أكثر من 200 فنان وفنّانة من أقطار العالم التقوا هنا في الشارقة تحت سراجها النوّار أو حوله حيث الضوء يصبح ملموساً وممسوكاً بالعينين واليدين، وحيث النور له طعم ورائحة ومذاق.
نتأمل فكرة السراج الثقافية والجمالية والمعرفية، ونقاربها بالمناسبة مع اسم الشارقة، الاسم المؤلف أيضاً من النّور، الاسم الجمالي والاسم التاريخي لمدينة المعرفة والعلم والأدب والفن، مدينة الحرف والكلمة والخط والنسخ، والمخطوط والكتاب، وهي معاً تشكّل سراجاً وراء سراج. الكلمة سراج، والكتاب سراج.
تحت سراج الشارقة نقرأ ونكتب، ونذهب في الخط العربي واشتقاقاته الإبداعية إلى آخره، ونكوّن من الحروف كلمات، ومن الكلمات قصائد وروايات هي تاريخ روح الإنسان وقلبه.
تلك هي خصيصة مهرجان الفنون الإسلامية في الشارقة، حدث جمالي يتجاوز مكانه وزمنه إلى الأبعد والأعمق في داخل الكائن البشري الذي يجد الجمال أيضاً في كل كائن حيّ، لأن لكل كائن اسماً، ولأن لكل اسم خطّاً، ومعنى ورسماً وصورة، تولد كلّها تحت سراج.