«ضعوا الرحمة في قلوبكم قبل أن تتفوّهوا بكلمة، واعلموا أنّه كما يوجد قانون، توجد روحٌ للقانون»، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
في كلِّ مؤسسةٍ ناجحةٍ، تقف وراء الخطط والأرقام والتقارير شخصيةٌ قياديةٌ تُوقظ المعنى قبل أن تُصدر القرار. فالقائد الملهم لا يكتفي بإدارة العمل، بل يحمي روح الفريق من قرارات قد تبدو «صحيحة» على الورق لكنها تُطفئ جذوة الشغف والالتزام والإبداع. فكم من موظفٍ منتج متقد الحماس والشغف — بسبب قرارٍ جامد لم يضع الإنسانية في الحسبان — تحول إلى شخصٍ أقصى غايته انتظار وقت نهاية الدوام والراتب فحسب.
وتأتي توجيهات صاحب السمو حاكم الشارقة لتؤكّد هذه الحقيقة العميقة: فالرحمة ليست ترفاً إدارياً، بل بوصلة أخلاقية تجعل القانون أكثر عدلاً، والقرار أكثر حكمة وإنسانية. فحين يُحسن القائد قراءة روح القانون قبل نصّه، ويستحضر أثر الكلمة قبل النطق بها، تُصان كرامة الموظف وتتجدد ثقة الفريق، ويتحوّل الالتزام من واجبٍ ثقيل إلى دافعٍ ذاتي نابع من الإيمان بالرسالة. فجوهر القضية واضح: قبل أي قرار، يجب أن يضع القائد الملهم نفسه مكان الآخرين. يسأل نفسه: كيف سيشعر الموظف؟ ما الذي قد يخسره هذا الفريق؟ هل أملك رؤية مكتملة للواقع والظروف؟ هذه الأسئلة ليست عاطفة منفلتة، بل هي «نظام إنساني أخلاقي وإنذار مبكر».
ليست القيادة الملهمة خطاباً مُنمّقاً أو شعارات معلقة على الجدران. بل مواقف صغيرة متكرّرة تترجم القيم إلى ممارسة: أن يوضح القائد سبب القرار قبل تطبيقه، وأن يصغي بإخلاص للاعتراضات، وأن يغير المسار حين تظهر معطيات جديدة، وأن يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ عند وقوعه.
وتكمن خطورة القرارات غير المتّزنة حين تُعامِل الجميع بالقاعدة نفسها دون اعتبار للاختلافات المشروعة بين الأدوار والظروف. ففرض آلية حضور جامدة على فرقٍ تعمل بالإبداع، أو تقييم الأداء بمعايير لا ترى العمل غير المرئي، أو تعميم العقوبة بسبب خطأ فردي— كلها أمثلة لقرارات «إدارية» تُنتج أثراً عكسياً؛ تقلّل من المبادرات الإيجابية، وتزداد عندها البيروقراطية، وتتحول القيادة من صناعة المعنى إلى «مُشغّل نظام».
هنا تحديداً يُثبت القائد الملهم تفوّق القيادة الحقيقية على القرار والقانون والتكنولوجيا؛ فهو يستخدمها جميعاً كأدوات، لكن البوصلة تبقى إنسانية.
الرحمة أولاً، ثم القرار.
القائد الملهم
24 نوفمبر 2025 01:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 نوفمبر 01:05 2025
شارك