الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عصر اختفاء التجربة

8 مايو 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 8 مايو 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لا يملك معظم البشر في الوقت الراهن ذلك الألق المتعلق بتجربة خاصة متفردة تختلف عن تجارب الآخرين، فكل شيء في عصرنا الفائق الحداثة مسبق الصنع، يتم شراؤه أو تقليده، وهو قانون ينطبق على مختلف أوجه الحياة، من الإبداع وحتى طرائق تناول الطعام وارتداء الملابس.
في الماضي كنا نمارس الحياة بوصفها تجربة، لكل شخص حرية الاختيار في أن يخوضها، وكل شخص مطالب بأن يقدم بصمة خاصة في هذه التجربة، ولم يكن المجتمع المحيط يعترف بهذه التجربة إلا عندما تتميز وتضيف الجديد والمختلف. كان ذلك في التربية والتعليم والعمل والإبداع، كانت هناك متعة في أن أتعرف إلى العالم والأشياء من حولي من خلال حواسي أنا، وكان من الخطأ أن أُقبل على شيء من خلال ما سمعته نتيجة لحواس الآخرين. من هنا كانت الفردية وقيم النجاح، في مقابل تراجيديا الفشل والسلبيات التي تعقبه، بل كان البعض يرى في التجربة صحة وعافية، فهي تعلمنا الصواب والخطأ، وفي الحالتين يوجد مكسب للفرد والمجتمع.
على مستوى المشاعر، كان لكل إنسان أحاسيسه شديدة التفرد، لكل منا تميزه في الحزن والفرح والحب..إلخ، الآن نشعر أن هذه المشاعر متشابهة عند جميع البشر، انعكس ذلك في الإبداع، فلا قصيدة تبوح بالحب، ولا لوحة تصدمنا بالحزن، ولا دراما حول تقلبات الحياة. أصبح الإبداع بلا مذاق، وهو ما انعكس أيضاً في الأيقونات التعبيرية في مواقع التواصل الاجتماعي «الإيموجي»، فكلنا نعيش خلفها الآن، كلنا نتقنع بالوجوه الضاحكة أو الباكية أو الحائرة، وكأن الضحك الخاص اختفى والبكاء المميز لكل حالة انتهى، وجميعنا نتشارك الحيرة نفسها.
نحن الآن لا نُقبل على أية تجربة بإرادتنا الحرة، ولكن بناء على تجارب الآخرين، فقدنا حس المغامرة ومعه متعة الاكتشاف، عندما نريد أن نسافر أو نشتري شيئاً، أو حتى عندما نذهب إلى أحد المطاعم، أو نبحث عن كلية أو مدرسة لأحد أبنائنا، فما علينا إلا أن ندخل على مواقع التواصل الاجتماعي ونبحث، نقرأ التعليقات، وننتبه إلى حجم الإعجاب، ومن ثم نتخذ القرار.
ليس هذا وحسب، بل بات معظمنا من أصحاب ثقافة القراءة «القديمة» لا يُقبل على كتاب إلا إذا اتبع الطريقة نفسها، نحن لا نريد أن نوجع رؤوسنا في كتاب لن يجذبنا، مع أن هذه النوعية من الكتب كانت تمنحنا خبرة في الماضي.
هذه الصورة تخفي في العمق مجموعة من الدلالات السلبية، ليس أولها أننا نعيش عصراً نستنسخ فيه بعضنا، تُمحق فيه الفردية والتميز ووجهة النظر المغايرة وحتى طريقة الحياة المختلفة، بالإضافة إلى الرغبة في الحصول على خبرات جاهزة من دون تعلم أو المرور بمرحلة فرز الصواب من الخطأ ومعرفة الجيد من السيئ.
في الماضي كان الكتّاب والأدباء يسردون تجاربهم، كنا نتوقف أمامها ونتعلم منها، ونقول «هذه تجربة»، وكان قولنا يعني أنها حياة متكاملة خصبة مثمرة، الآن يبدو أننا نعيش حياة مختلفة أو نشهد عصر اختفاء التجربة.

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه