نظريتا فراغ القوة والمؤامرة عادتا من جديد لتحكم العلاقات بين الدول وتفسر الحروب، كالحرب الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وقبلها الحرب على غزة لأكثر من عامين، وما زالت قائمة، ومازالت خياراً تهدد به الدول وخصوصاً دول القوة، وتبرز معها مشكلة الصراع على النظام الدولي، ومحاولة إنهاء فترة السيطرة الأحادية الأمريكية من قبل الصين وروسيا، والدعوة لنظام تعددي جديد.
فالقيادة العالمية ليست مجرد منّة أو هبة، بل هي واقع تفرضه الدول القوية والقادرة على تغيير قواعد ومبادئ النظام الدولي القائم أو الجديد. القيادة في العالم تعني النظام الدولي الراسخ والثابت. تاريخياً، تجسد هذا النظام في الإمبراطورية الرومانية وصراعها مع الإمبراطورية الفارسية، ثم برز دور الإمبراطورية الأوروبية مع نظام الدولة القومية في أعقاب مؤتمر وستفاليا عام 1648 وصراع الدول الأوروبية في إفريقيا وآسيا. وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى 1914 _1918 وبعده ظهرت
عصبة الأمم لتستمر حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي وبداية تشكيل النظام الدولي ثنائي القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وبعدها محاولة الولايات المتحدة لفرض النظام الأحادي القوة والهيمنة على القرار الدولي.
لم تكن عملية التحول من نظام إلى آخر سهلة وسلسة، بل كانت تتم عبر تحولات كونية كبيرة في بيئة القوة الدولية. لقد أعاد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد غراهام أليسون التذكير بنموذج إسبرطة أثينا وثيوسيديدس وعقدة الحرب الحتمية، والعقدة الأمنية التي تحكم السلوك السياسي للدول من خلال منطق العلاقات الدولية الذي لم يتغير ويقوم على القوة، وإن تغيرت الأساليب من السيف والجمل إلى الحروب النووية والبيولوجية والسيبرانية والذكاء الاصطناعي، ومن يملكها يملك التحكم في بنية النظام الدولي.
والسمة الأخرى المهمة التي تدفع للدخول في مرحلة الفوضى الدولية تقوم على مبدأ انتشار القوة وسعي الدول الإقليمية مثل إسرائيــل للتوسع. والسؤال: أي عالم ننتظر، وأي حرب، ومتى يدخل العالم الحرب العالمية الثالثة مــع تراجـــع دور الأمم المتحدة؟
إن آليات الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تختلف عنها بين أمريكا والصين اليوم. فالاستراتيجية الأمريكية اعتمدت على إغراق الاتحاد السوفييتي بأعباء الحروب العسكرية وسباق التسلح حتى يتفكك. هذا الخيار غير قائم بالنسبة للصين. ولا يصلح للتعامل معها من زاوية أن الصين تبقى دولة مركزية واحدة على كبرها وحجمها وهي لا تخوض حروباً مع الآخرين. لا شك أن للصين تحالفاتها وحققت إنجازات اقتصادية كبيرة وتملك علاقات وشراكات استراتيجية مع العديد من الدول، إضافة إلى قدرات تكنولوجية منافسة للولايات المتحدة، لكنها ليست بالهشاشة التي يتصورها البعض كي تسقط كما الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك لا تسعى الصين لأن تحل محل الولايات المتحدة، بل تريد عالماً متعدد الأقطاب أكثر عدالة واستقراراً. والسؤال: هل يمكن تجنب الحرب بين الصين وأمريكا؟ والسؤال أجاب عليه ثيوسيديدس المؤرخ اليوناني من خلال تحليله للحرب البلونيزية التي وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد بين أثينا وإسبرطة .قام اليسون بدراسة النظام الدولي منذ ذلك التاريخ، وحدّد 16 حالة تم فيها صعود وحلول قوة مكان قوة أخرى في النظام الدولى.وكانت النتيجة أن النظام الدولي ليس حالة ثابتة؛ بل يتغير بتغير موازين القوة. فالنظام الدولي الذي قام بعد الحرب الثانية لم يعد بنفس القوة ونفس معايير التحولات في بنية القوة وبروز دول تقترب من قمة النظام الدولي كالصين في الوقت الذي تلوح فيه مؤشرات على تراجع قوة الولايات المتحدة كقوة أحادية، لكنها ما زالت تملك القوة للسيطرة والهيمنة الدولية.
ويبقى أن التحوّل إلى مرحلة جديدة من الأحادية إلى التعددية يحتاج إلى مرحلة انتقالية كما هي اليوم، حيث الحروب والمنافسات والصراعات الدولية،و كلها تنبئ بأن النظام الدولي يتجه نحو نظام أكثر تعددية.
