«العين أوسع لك من الدّار» مَثَلٌ شعبي إماراتي مُتداول في الثقافة التراثية المحلية، ينطوي على مجاز بلاغي ذكي لا يصدر إلّا عن مخيلة شعرية فطرية، وهي المخيّلة الإبداعية التي نجدها عند شعراء النبط، وهم دائماً شعراء اللسان الشعبي الذي يتوازى في بلاغته مع اللسان العربي الفصيح.
من الفعاليات الشعرية التي يتضمنها برنامج مهرجان العين للكتاب نتابع «ليالي الشعر» في المهرجان، ودائماً، بالعودة إلى الشعر العربي سواء أكان نبطياً أم فصيحاً، فإننا أمام تلك المجازات والكنايات الذكية مثل «العين أوسع من الدّار»، ومثل هذا الذكاء نجده أيضاً في خطابات شعبية من مثل: «إذا ما شالتك عيوننا، تشيلك قلوبنا»، وهي أمثلة شعبية تعود في قوّتها الثقافية إلى الشعر.
يقول الكتيّب التفصيلي المتضمن فعاليات المهرجان: إنه انطلاقاً من كون عام ٢٠٢٥ هو «عام المجتمع» يسلط البرنامج في الدورة الرابعة لمعرض كتاب العين الضوء على شعراء مدينة العين، والاحتفاء بالموروث الشعري الشعبي؛ لماذا؟ لأن الشعر، مرة ثانية، هو أصل البلاغة أينما كانت في النصّ الأدبي، والأمثال الشعبية الموجودة في الشعر هي نتاج ثقافة شعراء هذه القصائد..
يقول كتيّب المهرجان أيضاً «الجلسات الشعرية في المهرجان تبرز كيف كان الشعر جزءاً حيّاً من الحياة اليومية عبر الأمثال والأبيات التي تعكس قيمَ مجتمع العين وعاداتِه، ولهجتَه النّابضة بالحياة».
الشعر أصل الحكمة، تلك حقيقة ثقافية لا تحتاج إلى إثبات بحثي أو استقصائي، فمنذ عصرِ امرئ القيس، عصرِ شعراء ما قبل الإسلام، ثم عصر صدر الإسلام، ثم عصر المتنبي، والبحتري، وأبي تمام، ونُظَرائهم من كبار شعراء الأمويين والعبّاسيين- كانت الحكمة تجري على ألسِنَةِ الشعراء، وكم شاعر أنقذه لسانه من السيف.
يتحوّل بيت الشعر إلى حكمة جارية أو يتحوّل إلى مَثَلٍ جارٍ من قبيلة إلى قبيلة، بل من شعب إلى شعب، إلى أن تتحوّل هذه الكنايات والمجازات الجارية إلى ثقافة حاكمة للعلاقات بين الناس.
يخبرنا التاريخ العربي بقصصه الموثوقة عن رجال عقلاء كانوا سادةَ أقوامهم، حالوا دون نشوب حروب، وأوقفوا عداوات تسيل فيها الدماء؛ مرة بالشعر ومرة بالخطابة ومرّة بالبلاغة العربية التي تقوم على ذكاء المعنى وقوّة برهانه.
إنّ العرب لم تتخذ الشعر ديواناً من فراغ؛ بل لأنه يمتلك شرط الإقناع، ودائماً، من دون ثرثرة ومن دون استطرادات لا حاجة لها، وكان يكفي العربي أن يختصر، لكي ينتصر.
في مهرجان العين للكتاب، وفي كل أسواق وأعياد وأعراس الشعر كانت الحكمة غذاءً للروح، وتدريباً للعقل على الفطنة الدائمة، وسرعة البديهة، وخفّة اللغة المصنوعة من الضوء والماء..
هذه تحية إلى الشعر والشعراء الذين يقفون إلى جانب ثقافة الحياة، وعيوننا لهم أوسع من دُورِنا.