الخلاف اليوم أصبح أسرع من كلمة مرحباً، علاقة تمتد لسنوات يمكن أن تنتهي في دقيقة، وبمجرد رسالة أو تعليق عابر، نعيش زمناً تحول فيه الخلاف من مساحة تفكير إلى زر حذف، وكأن الإنسان أصبح قابلاً للاستبدال بمجرد أنه لا يوافقنا الرأي. هذه ليست مشكلة أشخاص، بل ظـــاهرة تتسلل بهدوء داخل المجتمع، تغير طريقة تعامــلنا وعــلاقاتنا، حتى أصبح الخلاف يفهم على أنه هجوم شخــصي لا فــرصة للتعــلم والنـــضج، وكأننا لا نحاور إلا حين لا نتأذى، وعندما نتــأذى نخــتار الصمت أو القطيعة.
جزء من هذا الخلل يبدأ من وهم القوة. كثيرون يعتقدون أن القطيعة تعبير عن الحزم وعن الثقة بالنفس، بينما الحقيقة أن القطيعة السريعة هي غالباً خوف مقنع من المواجهة، الحوار يحتاج الى شجاعة وصــبر وذكــاء عــاطفي، أما القطيعة فتحتاج الى قرار لحــظي يريــح الأنا، لكنـــه يترك شقــوقاً فــي الـــروح لا نراها فوراً، فأسهل طريقة للخروج من الخــلاف هــي الهروب منه.
وتسهم السوشيال ميديا في تسريع هذا المزاج، بضغطة واحدة يمكن أن نحذف أو نحظر، دون أن نرى وجه الإنسان المقابل أو نفهم قصته، أصبحت العلاقات تدار كالقوائم إضافة، إزالة، متابعة، إلغاء، ومع الوقت بدأنا نعامل البشر كما نعامل التطبيقات، إذا أزعجتنا نحذفها، لكن العلاقات الإنسانية لا تبنى بهذه الصيغة الرقمية، بل تحتاج الى وقت وصبر ومساحة للتعثر قبل أن تنضج، وبعض أقــوى العــلاقات تبدأ بخلاف ثم تنمو باحترام، وتتحــول إلـى ثقة يصعـــب كسرها مهما تغيرت الظروف.
هناك أيضاً حساسية مفرطة تتضخم يوماً بعد يوم، أي نقد بسيط يفسر كهجوم، وأي اختلاف رأي يتحول إلى خصومة، كأن الناس فقدوا المسافة الآمنة بين الرأي وصاحبه، فبدل أن نناقش الفكرة نهاجم الشخص، وبهذا نخسر أهم قيمة في التعامل الإنساني، القدرة على سماع ما لا يعجبنا دون أن نفقد اتزاننا.
القطيعة لا تحرمنا من الآخرين فقط، بل تحرمنا من أنفسنا، فالإنسان الذي لا يتحمل الاختلاف لن يتحمل مسؤولية أكبر لاحقاً، فالحياة ليست نسخة من آرائنا، والناس ليسوا مرايا تعكس ما نريد سماعه، النمو الحقيقي يبدأ حين نتعلم أن نختلف دون أن ننكسر، وأن نفهم قبل أن نحكم، العلاقات التي تستحق البقاء لا تنهار بسبب رأي، بل تقوى بالحوار، وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا قبل أن نحذف أحداً هل المشكلة في العلاقة أم في قدرتنا على الإصغاء؟.

[email protected]