كل المؤشرات تؤكد أن الصراع الدائر في أوكرانيا وصل إلى مفترق طرق، بين احتمال اتفاق سلام أو اتساع نطاق الحرب، في ظل زيادة الضغوط على كييف التي تشهد أزمة سياسية هي الأخطر منذ بدء الحرب، مع الكشف عن فضائح فساد وتحقيقات في القصر الرئاسي طالت الدائرة المقربة من الرئيس فلودومير زيلينسكي.
وفيما لم يشهد الوضع الميداني أي تغير في مسار المعارك، تجري تحركات دبلوماسية، أغلبها سراً، لصناعة مفاجأة قبل نهاية العام، يأمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تتحقق سريعاً، مع وجود انفتاح روسي على مناقشة أي أفكار بناءة لوقف الصراع، كان الرئيس فلاديمير بوتين قد لخصها في بعض النقاط، أهمها الانسحاب الأوكراني من دونباس، والاعتراف بالأقاليم الأربعة التي ضمتها موسكو مع شبه جزيرة القرم، ومنع انضمام أوكرانيا إلى حلف «الناتو»، وإجراء انتخابات لتغيير القيادة الحالية في كييف.
ويتبين من خلال التصريحات والتسريبات العديدة أن هذه الأفكار هي محور مفاوضات روسية أمريكية بعيداً عن الأضواء، وبعلم العواصم الأوروبية الرئيسية، التي تُظهر عدم موافقتها على هذه الخطة، لكنها تُضمر رغبة ملحة لإنهاء هذه الحرب والبحث عن أطر جديدة للتعايش مع روسيا بعيداً عن منطق الصراع والمواجهة، وهو ما عبر عنه ترامب في أكثر من مناسبة، ودعا أوكرانيا إلى تقديم تنازلات مؤلمة حتى لا تفاقم خسائرها البشرية والميدانية، لاسيما في شرق البلاد، حيث باتت تلك الأقاليم روسية بالقوة.
التوقعات المتفائلة تشير إلى أن الشهر المقبل قد يشهد اختراقاً للتوصل إلى خطة سلام، وبينما تستقبل الولايات المتحدة وفداً أوكرانياً رفيع المستوى في فلوريدا لبحث ملامح التسوية، قبل أن يسافر مبعوث ترامب ستيف ويتكوف إلى موسكو، في الأيام المقبلة، ليطرح مع المسؤولين الروس النقاط المتفق عليها مع الجانب الأوكراني. لكن العقبة الجديدة تتمثل في موقف الكرملين الذي بات يرفض التفاوض مع سلطات كييف إلا إذا تغيرت، وطالب صراحة بأن تكون المحادثات حصراً بين موسكو وواشنطن دون مشاركة أي طرف ثالث، بما يشمل دول الاتحاد الأوروبي المتهمة من روسيا بتأجيج الصراع متوهمة أن أوكرانيا ستتمكن من تحقيق النصر.
الخيار العسكري بدأ يسقط في أوكرانيا، إذ بدا واضحاً أن الدعم الغربي لكييف تراجع إلى أدنى مستوياته بعد أشهر من الوعود والتهديدات، وقد كان للرئيس الأمريكي دور في هذا التطور، لقناعته بأن الانخراط في هذا المسار لن يعيد لأوكرانيا الأراضي التي فقدتها، ولن يحقق الأمن لأوروبا، ويخاطر باندلاع مواجهة عسكرية أكبر، طالما حذر منها الكثيرون، وآخرهم البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، الذي حذر في تركيا من أن حرباً عالمية ثالثة تخاض الآن على دفعات، ودعا إلى عدم الاستسلام لهذا الأمر، كما دعا إلى بدء حوار عالمي يمكن أن يضمن أمن البشرية، وهذا الحوار بات مطلوباً الآن أكثر من أي وقت، وقد تكون أزمة أوكرانيا ميدان الاختبار الفعلي، وهو ما ستُكشف تفاصيله في الأيام القليلة المقبلة وقبل أن تُنهِيَ الحرب عامها الرابع.