في طفولتنا، هناك يد تمسك بنا قبل أن نتعلم المشي، وصوت يتحدث إلينا قبل أن نتعلم الكلام، كانت تلك اليد، وذلك الصوت هو الأب: قليل الشكوى، كثير الإشارة، يعلّم بالصبر أكثر مما يعلّم بالكلام. كلما كبرنا اكتشفنا أن الدور الحقيقي للأب ليس في الأوامر والتوجيهات، بل في المعنى الذي يتركه وراء كل فعل بسيط يقوم به.
في كتاب «علمتني الحياة»، تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن دروس تلقاها من والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، دروس تلهمنا لندرك الأثر العظيم الذي يتركه الآباء في قلوبنا وأرواحنا. حيث قال: «تعلمت من أبي أن لا أتصيد الأخطاء.. وأن لا أبحث عن زلات الناس، وأن أتغافل أحياناً.. وألفت النظر بلطف أحياناً أخرى، وخاصة مع من تأكدت من إخلاصهم وحبهم وتفانيهم في أعمالهم».
هذه الكلمات، لا تعلمنا اللين فقط، بل تعلمنا كيف استلهم الشيخ محمد بن راشد، العديد من الصفات الحكيمة والعظيمة من والده الشيخ راشد. حين تتأكد من إخلاص أحدهم، يصبح التغافل باباً للتطوير لا تقبل الخطأ، في البيت، والعمل، والصداقات، ومختلف علاقاتك الاجتماعية، هناك لحظات يكون فيها التنبيه القاسي أسرع، لكنه أقل أثراً، أما التوضيح اللطيف فهو أكثر استدامة، ويحافظ على العلاقة أكثر، ويزيد تقبّل الطرف الآخر لنصيحتك.
من مواقف يومية بسيطة تمر بنا جميعاً: حين يخطئ ابنك في شيء ما، أو يتأخر زميلك في تسليم مهمة، الاختيار السهل هو رصد الزلة، لكن ماذا يحدث لو بدأنا من سؤال: هل هو مجتهد ومخلص؟ هل يبذل جهده؟ إن كانت الإجابة نعم، فالرسالة الأعمق هي التي تقال بهدوء، وتصل بكرامة، هكذا نصنع بيئة تشجع على المبادرة، وليس على الخوف.
استلهام مثل هذه الجوانب، تتطلب العديد من التجارب والمواقف حتى نفهمها، لكن عندما نلاحظ كيف يتعامل آباؤنا مع الآخرين نرى أمامنا مدرسة، نستلهم منها العديد من الدروس الكبيرة، كما استلهمها الشيخ محمد بن راشد، من والده، الذي قال عنه في كتابه: «لم يكن يهوى كثرة الطعام.. أو كثرة الكلام.. أو كثرة المباني والقصور.. بل يميل للبساطة.. والتخفف والتحكم في نفسه». رحم الله والدنا جميعاً الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي لم تكن البساطة عنده بسبب الافتقار إلى الخيارات، بل بسبب ثراء معاييره ومبادئه العظيمة.