عندما يقال إن مواقع التواصل الاجتماعي أدخلت مفاهيم جديدة عما كان معهوداً ومعروفاً في ما مضى، فإن هذا القول لا يجانب الحقيقة في كثير من جوانبه، خاصة في مضمار مثل النجاح والسعادة والتفوق الوظيفي والإبداع والذكاء والمظهر ونحوها. في ما مضى، كان الفرد يركز في مقارناته على نفسه، كيف كان في العام الماضي، وما الذي حققه الآن مقارنة بالأعوام السابقة، وهكذا، لكنه الآن يقارن نفسه بما يشاهده من لقطات مثالية يعرضها أناس لأهداف مختلفة وبعيدة عما يركز هو عليه.
ومن هنا يدخل في وهم اللقطة الكاملة المثالية، فما يشاهده خلف الشاشة مثالي وفي قمة النجاح أو السعادة والتفوق، وهو في غمرة تلك المشاهدة ينسى أن تلك اللقطات مصنوعة صناعة، وليست بالضرورة تحكي عن واقع. والذي يحدث أنه يدخل في حالة مقارنة غير عادلة وغير متكافئة، ومن هنا يظلم نفسه؛ لأن حياته اليومية المتعبة، وجهوده للنجاح، ومحاولات تغلبه على الصعوبات الحياتية التي تمر بنا جميعاً، يقارنها بتلك اللحظة المثالية التي يصورها الآخرون، وهي لقطة عابرة تنتقي المثالية والكمال وتركز على المبالغة، ولا تعكس واقع الحياة الحقيقية.
وهناك كثيرون يتأثرون بما تبثه مواقع التواصل الاجتماعي، ومع الأسف هو تأثر سلبي بشكل واضح. وكأن معايير النجاح والتفوق والتميز قد تغيرت، ومتطلبات الإنجاز الحقيقي باتت لها أشكال مختلفة، البعض يراها في الإعجابات، أو في عدد المتابعين، أو بمدى حجم التفاعل الرقمي.
هذه المنصات باتت تشكل ضغطاً خفياً لكنه حقيقي وواقعي على الكثيرين؛ حيث يدفعهم للظهور بمظهر الناجح بشكل دائم ومستمر، وفي هذا إرهاق وتعب مستمران. يرافق هذه الحالة مخاوف من تجاوز الآخرين والأحداث، وبالتالي كأننا نقبع في المكان نفسه، وهنا يظهر شعور التأخر الدائم عن التطور، وبالتالي يحضر القلق وعدم الرضا وفقدان الاستمتاع باللحظات السعيدة.
وحول الأثر النفسي هناك عدة دراسات رصدت هذا الجانب، من بينها دراسة شهيرة أجرتها الجمعية الملكية للصحة العامة (RSPH) في المملكة المتحدة، كشفت الأثر السلبي لمنصات التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية، وخاصة في جوانب صورة الجسد، والقلق، واضطرابات النوم، والمقارنة الاجتماعية السلبية. ووجدت الدراسة أن منصات مثل «إنستغرام» و«سناب شات» هي الأكثر تأثيراً في شعور الشباب بالدونية والمقارنة الاجتماعية السلبية.
جميعنا مطالبون بالوعي والمعرفة لأثر ما يبث على هذه المنصات، فهي لا تمثل واقع الحياة، ولا التحديات، ولا الصعوبات، والأهم فهم متطلبات النجاح وطريق التفوق الذي يأتي ويتحقق بالمثابرة والجد والمعرفة واكتساب الخبرات، وليس عن طريق المُثل الزائفة.
