حملت القصة القصيرة في الإمارات في ثمانينات القرن العشرين موضوعات محلية ذات خصائص نفسية ووجدانية واجتماعية، ومنها الحنين إلى زمن البحر، وصيد السمك، والغوص على اللؤلؤ، وعالم البحّارة الجماعي، بل والغنائي أيضاً، وأقصد ب«الغنائي» نهمات البحارة واندغام أغانيهم بالماء وسط أمواج عارمة، وهم في أقاصي هذه «الجبال» من الماء.
ركّز كتّاب القصة بشكل خاص على هذا العالم المجهول، عالم البحر، وظهرت شخصية النوخذة، سيد السفينة، بل سيد البحر كله إذا اعتبرنا أنه مركز تجارة اللؤلؤ، والرجل المتنفذ الأول بمصائر البحّارة، تلك المصائر المجهولة، مرة ثانية، في قلب الماء.
فضاء البحر تناوله إبراهيم مبارك، وناصر جبران، ومريم جمعة فرج، وناصر الظاهري، وجمعة الفيروز، وغيرهم من كتّاب الثمانينات، وكان أيضاً فضاءً حنينياً بامتياز، أي أن الكاتب يعود إلى ماضيه الاجتماعي والاقتصادي والجمالي الذي كان يمثله البحر، على الرغم من قصص الموت والفقد والغياب التي أحاطت بحياة الكثير من البحّارة المغامرين من أجل لؤلؤة كان بإمكانها أن تساعد عائلة كاملة على العيش في زمن أقل ما يقال فيه إنه زمن صعب، زمن حافة الخطر، وحافة المغامرة.
اشتغل كتّاب القصة أيضاً على موضوع شجرة النخيل، ورمزياتها المكانية والاجتماعية والحياتية، وسوف تظهر في الأدب الإماراتي القصصي شخصية «البيدار»، إلى جانب شخصيات أخرى هي نتاج بيئة البرّ أو بيئة الصحراء، مثل قصّاص الأثر، حتى أن هناك من كان يمتلك مهارة قصّ الأثر فوق الحجارة.
أيضاً، حملت مواضيع هذه البيئة الصحراوية هاجس الحنين إلى فضاء البادية، ومن الطبيعي أو الموضوعي أن يكون الحنين موضوعاً أو ثيمة أو محوراً مركزياً في الأدب، سواءً في القصة أو في الرواية أو في الشعر، وذلك، لسبب جوهري، وهو أن الكاتب الإماراتي في الثمانينات كان يقع بين زمنين، زمن ثقافة البحر والبرّ والجبال، والزمن الثاني أو التالي وهو زمن ما بعد النفط، زمن الحداثة والمعاصرة، زمن الكهرباء والماء والتلفزيون والإذاعة الذي جاء مباشرة بعد زمن الفريج، والفنر، والبراجيل وشباك الصيد.
مع نشأة الدولة في مطلع السبعينات، نشأت أيضاً الكتابة الجديدة، ولكن روح الكاتب الإماراتي بقيت مشدودة حنينياً إلى الماضي، وهو في كل الأحوال ماض قريب، إذ إن كتّاب تلك المرحلة الثمانينية كانوا في العشرين أو الثلاثين من أعمارهم، وكانوا في طفولاتهم يعيشون في قلب بيئات البحر والصحراء التي شكّلت صورة حنينهم العميق للماضي.
جيل الثمانينات من القصاصين والشعراء الإماراتيين في حاجة إلى قراءة مكانية على قدر نقاء ذلك الحنين.
حنين إلى النخلة والبحر
4 ديسمبر 2025 00:26 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 ديسمبر 00:26 2025
شارك