حسن إبراهيم العيسى النعيمي

يعيش العالم، اليوم، مرحلة انتقالية فارقة في التاريخ الإنساني، حيث تترنح الهيمنة الغربية التقليدية أمام صعود آسيويّ متسارع. فالقارّة التي تضم أكثر من نصف سكان الأرض، وتختزن ثروات طبيعية هائلة، وتملك مزيجاً نادراً من العمق الحضاري، والقدرات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، تتجه بخطى واثقة لتكون مركز الثقل القادم في السياسة، والاقتصاد، والأمن العالمي.

لم يعُد السؤال اليوم: هل تنتقل قيادة العالم إلى آسيا؟، بل أصبح: متى، وكيف سيحدث ذلك؟ وما موقعنا نحن، كعرب ومسلمين، في هذا التحوّل الجارف؟

* أولاً: لماذا آسيا؟

1- الديموغرافيا - الكثافة البشرية وقوّة السوق: تضم آسيا أكثر من 4.5 مليار نسمة، أي ما يفوق نصف سكان العالم. وهذا العدد ليس مجرّد رقم إحصائي، بل يمثل قوة عمل هائلة، وسوقاً استهلاكية متنامية، وقاعدة اجتماعية قادرة على خلق ديناميات، اقتصادية وثقافية، متجدّدة. وبينما يعاني الغرب شيخوخة سكانية، وانكماشاً ديموغرافياً، تستفيد آسيا من «العائد الديموغرافي» لتوسيع طاقاتها، الإنتاجية والاستهلاكية.

2- الغذاء والطاقة - مفاتيح الاستقرار: من سهول الهند الخصبة، إلى الأرز الفيتنامي، ومن نفط الخليج إلى غاز سيبيريا، تمتلك آسيا تنوعاً هائلاً في مصادر الغذاء والطاقة. هذه المقوّمات تجعلها أكثر قدرة على تحقيق الأمن الغذائي والطاقي، مقارنة بغيرها من القارات، وتمنحها ميزة استراتيجية تؤهلها لقيادة العالم في زمن الأزمات المتلاحقة.

3- الصناعة والتكنولوجيا - قلب الاقتصاد العالمي: أصبحت الصين «مصنع العالم»، والهند «مركز البرمجيات»، وكوريا الجنوبية واليابان «مختبرات التكنولوجيا المتقدمة». هذا التنوّع يمنح آسيا قوة اقتصادية متكاملة، قادرة على قيادة الثورة الصناعية الرابعة، وما بعدها. كما أن مبادرات كبرى مثل «الحزام والطريق» تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، لتكون آسيا مركز الربط بين القارات.

4- القوة العسكرية: توازن عالمي جديد: لا يمكن الحديث عن المستقبل من دون ذكر القدرات العسكرية. فآسيا تضم ثلاث قوى نووية كبرى (الصين، الهند، روسيا)، إضافة إلى جيوش متطورة في اليابان، وكوريا، وإيران، وتركيا، وباكستان. هذا الثقل العسكري يغير ميزان القوى العالمي، تدريجياً، لمصلحة الشرق، ويضع حداً لاحتكار الغرب للأمن الدولي.

* ثانياً: الغرب في مرحلة الأفول النسبي: الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان قوى فاعلة ومؤثرة، لكنهما تواجهان أزمات هيكلية عميقة:

* شيخوخة ديموغرافية تقلّل من قوة العمل، وتزيد أعباء الرعاية الاجتماعية.

* ديون متضخمة تهدّد الاستقرار الاقتصادي.

* انقسامات سياسية واجتماعية تضعف التماسك الداخلي.

* تراجع القدرة على السيطرة على مسارات التكنولوجيا والاقتصاد أمام المنافسة الآسيوية.

* الاستقطاب السياسي، وفقدان القدرة على السيطرة المطلقة على العالم كما في القرنين الماضيين.

ويمكن القول، إننا نشهد تحوّلاً تاريخياً شبيهاً بانتقال مركز الثقل من الشرق إلى الغرب، بعد النهضة الأوروبية، لكنه، هذه المرة، انتقال عكسي: من الغرب إلى آسيا. لكن هذا لا يعني اختفاء الغرب، بل يعني أن العالم يسير نحو تعدّدية قطبية، يكون لآسيا فيها الكلمة العليا.

* ثالثاً: التحدّي والفرصة أمام الخليج والعالمين العربي والإسلامي

هنا تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية لدولنا، الخليجية والعربية والإسلامية. فالتحوّل العالمي ليس مجرّد خبر، أو حدثاً عابراً، بل هو تحدٍّ مصيري: إما أن نكون جزءاً من آسيا الصاعدة، وإما نبقى أسرى الهامش، نكرّر أخطاء الماضي.

* الخليج العربي: بفضل موقعه الجغرافي الفريد، وموارده الطاقية، واستثماراته العالمية، يستطيع أن يكون مركزاً للطاقة النظيفة، والتمويل، والتكنولوجيا الخضراء في النظام الآسيوي الجديد.

* العالم العربي: يملك عمقاً جغرافياً وبشرياً، وثروات طبيعية هائلة، لكنه يحتاج إلى إصلاح مؤسساته السياسية، وتحرير طاقاته العلمية، وبناء تكامله الاقتصادي ليخرج من دائرة التبعية.

* العالم الإسلامي الأوسع: من تركيا إلى ماليزيا، يملك فرصاً للتكامل، الصناعي والزراعي والبحثي، تؤهله ليكون قطباً، حضارياً واقتصادياً، ضمن المنظومة الآسيوية.

* رابعاً: نحو شراكة آسيوية متوازنة

المطلوب ليس الذوبان في آسيا، بل الدخول معها في شراكة متكافئة، تحفظ مصالح العرب والمسلمين، وتفتح أمامهم أبواب التنمية.

* الخليج يمكن أن يكون بوابة الطاقة والتمويل لآسيا.

* العالم العربي يمكن أن يتحوّل إلى جسر حضاري وثقافي يربط الشرق بالغرب.

* العالم الإسلامي يمكن أن يوحّد إمكاناته ليكون شريكاً أساسياً في رسم مستقبل الإنسانية.

* الاستعداد للزمن الآسيوي

نحن أمام لحظة تاريخية لا تتكرّر كثيراً. إننا نشهد ولادة زمن آسيوي بامتياز. لكنه لن يكون حكراً على قوى الشرق وحدها، إذا أحسن العرب والمسلمون التموضع، وصناعة أدوارهم فيه. وفي هذا الزمن، سيكون للخليج، والعالمين العربي والإسلامي، إمّا دور قيادي إذا أحسنوا الاستعداد، وإمّا موقع هامشي، إذا استمروا في التردّد والتشرذم.

التاريخ لا يرحم المتقاعسين. إنها ساعة العمل، ساعة تجديد الفكر وبناء المؤسسات، واستثمار الإنسان، والثروة، والموقع، لنكون جزءاً من الشرق الصاعد، لا من الماضي المنقضي.