رضا السميحيين
نشهد هذه الأيام على أرض الشارقة تحول الفنون الإسلامية إلى فضاء يضيء الحاضر ويربطه بالماضي الجميل، فضاء يعيد تعريف العلاقة بين الجمال والروح، هكذا تبدو الدورة السادسة والعشرون من مهرجان الفنون الإسلامية، الذي تنظمه دائرة الثقافة، تحت شعار «سراج».
قبل أيام عرضت في مركز التصاميم 1971 بجزيرة العلم، ثلاثة أعمال لفنانين إماراتيين وأردنيين، جمعت بين الحرفية الحديثة والعمق الرمزي للفن الإسلامي، تعددت فيها الرؤى الفنية، ولكن الخيط الذي ربطها جميعاً كان فكرة الضوء.
المدهش في العمل الأول، «في السكون نور» لفريق «ون ثيرد»، هو كيف يمكنه أن يخطف قلب المشاهد في مسار متدرج من الظلمة إلى الإشراق، من خيمة مغلقة داكنة إلى فضاء مفتوح تغطيه خيوط الضوء المنسوجة من سعف النخيل، الرحلة في هذا العمل جاءت تأملية، تعيد الزائر إلى ذاته، وتحثه على الإنصات الداخلي، حيث يولد النور الحقيقي، وهنا يحضر البعد الروحاني في أبسط أشكاله، رحلة من الغفلة إلى الصفاء، من الخارج إلى الداخل.
أما العمل الثاني «نجمة في المخزن» للفنان الأردني عمر درويش، فيستحضر النجمة الثمانية التي لطالما زينت العمارة الإسلامية، لكنها في هذا العمل تعود كعنصر غائب في ذاكرة المدن المعاصرة، درويش يعيد بناء هذا الرمز ضمن فضاء أشبه بمستودع للضوء، حيث تتعايش الفكرة والحنين، ويشير العمل إلى استحضار روح القداسة وجعلها حاضرة في العمارة المعاصرة.
وجاء العمل الثالث «الفضاء الفاصل» للفنانة رقية الهاشمي ليقدم رؤية أكثر هدوءاً وتأملاً، وذلك من خلال جذع نخلة أجوف يتحول إلى ممر للضوء، لتثير معه الفنانة تساؤلات عن العلاقة بين الغياب والحضور، وكيف يمكن للفراغ أن يكون امتلاءً من نوع آخر، لتذكرنا من خلال هذا العمل بأن الفن الإسلامي لا يقف عند الزخرفة، وإنما يمتد إلى فلسفة السكون.
من هذا المنظور، يمكن القول: إن هذه الأعمال الثلاثة المعروضة هي امتداد طبيعي لروح المكان، فـ «في السكون نور» إعادة بناء لمفهوم الخيمة ملاذ الضوء الداخلي وهو «السكينة»، بحيث ينتقل الزائر من خيمة مظلمة إلى أخرى أكثر انفتاحاً، و«نجمة في المخزن» عمل يستدعي رمزية النجمة الثمانية السراج الهندسي الذي فقد مكانته في المشهد العمراني الحديث، ليعيد وضعه تحت ضوء يستفز الحنين، أما «الفضاء الفاصل»، الذي تجسد بجذع النخلة الأجوف الذي يتحول إلى ممر للضوء، فيلتقط لحظة نادرة تلتقي فيها جغرافيا المكان مع فلسفة الفكرة.
في الحقيقة ما تفعله الشارقة من خلال هذا المهرجان هو أكثر من احتفاء بالجمال، إنه استعادة لمركزية الفن في الوعي الإسلامي.