المصطلحات هي أحد ميادين المراوغة في السياسة الدولية، فكلمة قد تعرقل بلوغ مفاوضات غايتها النهائية أياماً، وتفسير يحكمه التفاف هذا الطرف أو ذاك على الحقيقة قد يذهب بالفرقاء كلٌ إلى سبيل.
والقاموس السياسي الدولي حافل بالمواقف والتعبيرات التي تبرهن على أن للكلمة، في ظل صراع الإرادات، ألف معنى، وأن سبب كثير من بلايا العلاقات الدولية كان أصله اختلافات في توظيف المفردات، ولعل «الإرهاب» النموذج الأبرز والأطول استخداماً في هذا الشأن، والأكثر ضبابية.
الآن، نحن أمام «بشرى» نادرة تأتي من غزة التي يعز فيها ما يبعث على التفاؤل، على الأقل منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، غير أن الأمر المبشر مشوب بكثير من الأسى الذي يبرهن عليه واقع القطاع الذي يعاني آثار الحرب والظروف الجوية القاسية.
تقول الأمم المتحدة إن المجاعة انتهت في قطاع غزة، ولأنها تدرك استمرار معاناته وحجمها، تستدرك بتأكيد أن الوضع لايزال حرجاً. ومصدر المفارقة هنا هو التعامل الاصطلاحي مع مفردة «المجاعة»، فإعلانها في مكان يستلزم شروطاً بعينها حين تنتفي يقال إنها انتهت، غير أنه لا يصح التعامل مع المعاناة الإنسانية في أي مكان بمقاييس حادة، فما بالنا إذا كان الأمر متعلقاً بموضع اكتملت فيه مبررات وصفه بأنه ميدان وصمة عار في تاريخ البشرية؟
يتطلب إعلان المجاعة في مكان ما من العالم أن يعاني 20 في المئة على الأقل من السكان نقصاً حاداً في الغذاء، وأن يعاني طفل من كل ثلاثة أطفال سوء تغذية حاداً، وأن يموت شخصان من بين كل عشرة آلاف يومياً بسبب الجوع أو سوء التغذية أو المرض.
كل ذلك، وربما أكثر منه، اجتمع في غزة في كثير من أوقات الحرب، غير أن الأمم المتحدة ارتأت إعلان المجاعة في أغسطس/ آب الماضي، ربما تحت وطأة الحرج مما أفضت إليه السياسات الإسرائيلية في القطاع، وفي قلبها التجويع والقتل الممنهجان، وأبرز أدواتهما منع وصول المساعدات الغذائية والدوائية إلى السكان، رغم تكدسها على مشارف القطاع في الأراضي المصرية.
ومنذ توقفت الحرب، أمكن الانتصار على التعنت الإسرائيلي وإدخال مساعدات، غير أن الواقع يقول إنه، بسبب إسرائيل أيضاً، ليست كافية لاكتمال معاني الحياة في قطاع غزة الذي تتفاقم معاناته في ظل الشتاء باعتراف الأمم المتحدة نفسها.
نحن أمام إعلان خادع بانتهاء المجاعة، لا شيء وراءه إلا المعايير القاسية التي تتطلب الاعتراف بها، والأمر في نهايته يعود إلى التفسير المختل للمفردات الحاكمة في القانون الدولي.
ربما تناقص الموتى بسبب الحرب بمقدار شخص أو اثنين، أو قل عدد الأطفال القتلى بفعل سوء التغذية الحاد، غير أن ذلك لا يعني أن غزة، بطل وصمة العار، أصبحت مهيأة للتحول إلى ريفييرا في قلب العالم العربي، فالوضع لا يزال «حرجاً»، وهي مفردة مراوغة أيضاً.

[email protected]