عبد الحفيظ جمال

في لحظة جديدة من السياسة الدولية المثيرة للجدل، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليثير زوبعة في القطب الشمالي بإعلان تصميمه على امتلاك جزيرة غرينلاند وضمها إلى بلاده لأنها «ضرورة للأمن القومي الأمريكي»، ليثير بذلك غضباً دانماركياً واستياء أوروبياً وقلقاً حول سياسات التوسع والضم الجديدة التي تكاد تعيد العالم إلى شريعة الغاب.
إن ذريعة ترامب للاستحواذ على الجزيرة الدنماركية تتصل بأنها تمتلك موارد طبيعية هائلة وفرصاً اقتصادية مهمة، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يمثل قاعدة استراتيجية لمراقبة الأنشطة العسكرية والاقتصادية في المنطقة. ومن خلال تصريحاته المتكررة وعزمه على إيفاد موفد خاص إلى الجزيرة الغنية، يتبين أن الرئيس الأمريكي يكابد هاجساً داخلياً يتمثل في الحد من النفوذ الروسي - الصيني المتزايد في القطب الشمالي وفي مختلف مناطق العالم التي باتت ساحات منافسة مفتوحة، والدليل على ذلك حرب أوكرانيا والتوتر الجديد حول فنزويلا إلى التصعيد الطويل منذ سنوات في بحر الصين الجنوبي.
وفي شأن غرينلاند، قال ترامب إن هدفه يتعلق بحماية المصالح الأمريكية في منطقة استراتيجية، من دون أن يبالي بالضرر الممكن أن يصيب العلاقة التاريخية بين بلاده والاتحاد الأوروبي الذي أعلن تضامنه الكبير مع الدنمارك التي قالت رئيسة وزرائها مته فريديكس، في رسالة مشتركة مع رئيس وزراء الجزيرة ذات الحكم الذاتي، إن «الحدود الوطنية وسيادة الدول راسخة في القانون الدولي»، مشددين على أن ضم أي دولة أخرى، حتى بذريعة الأمن الدولي، غير مقبول.
ولم يقتصر الدعم على غرينلاند والدنمارك، بل عبّرت المفوضية الأوروبية عن دعمها الراسخ للدنمارك، مشددة على أن احترام السلامة الإقليمية وسيادة الدول أمر أساسي للاتحاد الأوروبي. ومثلما كانت هذه المواقف علنية، هناك مواقف أخرى صامتة وغامضة في الصين وروسيا، اللتين يعتقد أنهما تشعران بالارتياح لهذا التصرف لعدة أسباب منها العمل على استثمار الخلافات بين الدول الغربية، وكذلك انشغال الولايات المتحدة في أزمات جديدة قد تضيف لها مزيداً من المتاعب وتفقدها عدداً آخر من الحلفاء.
ومع ذلك، يرى المحللون السياسيون أن اهتمام ترامب بغرينلاند يعكس مزيجاً من الاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية والإعلامية، فهو يظهر قدرة الولايات المتحدة على إبراز حضورها العالمي، ويضع الملف القطبي على خريطة النقاش الدولي. ومع ذلك، يظل تنفيذ أي فكرة للضم قانونياً وسياسياً صعباً للغاية، ما يجعل هذه التصريحات أكثر رمزية من كونها مشروعاً عملياً قابلاً للتطبيق على المدى القريب.
في النهاية، يظل هوس ترامب بغرينلاند مثالاً واضحاً لتقاطع الطموحات الفردية مع السياسة الدولية، وكيف يمكن لرغبة رئيس دولة أن تثير نقاشات عالمية واسعة، وتضع ملفاً صغيراً على خريطة السياسة العالمية، رغم الصعوبات القانونية والدبلوماسية الكبيرة التي تحيط به.