تتسبب التغذية غير الصحية في التعرض لمشكلات جسدية ونفسية خطرة، يمكن أن يظهر بعضها على المدى القريب أو البعيد، فضلاً عن الشعور بالخمول والتعب والإرهاق الناجم عن نقص العناصر الغذائية، والتأثيرات السلبية على المزاج والتركيز، وزيادة الوزن والسمنة، وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني، وارتفاع الضغط والكوليسترول. وفي السطور التالية يسلط الخبراء والاختصاصيون الضوء على هذا الموضوع تفصيلاً.
تقول د. نجلاء بارود، أخصائية في الطب الباطني، إن الأطعمة المُصنعة أصبحت جزءاً أساسياً من النظام الغذائي اليومي للكثير من الأشخاص، إلا أن عواقبها الصحية الخطرة تظهر على المدى الطويل، كونها غنية بالكربوهيدرات المكررة والدهون المشبعة، وتُسهم بشكل مباشر في مقاومة الإنسولين، والتي تُعد المحرك الرئيسي للإصابة بداء السكري من النوع الثاني، إذ تؤدي الارتفاعات المتكررة في مستويات السكر في الدم إلى إرهاق البنكرياس، وزيادة مؤشرات الالتهاب في مجرى الدم. وتضيف: ترتفع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بشكل حاد، حيث تتسبب الكمية الزائدة من الصوديوم والدهون المتحولة إلى اضطراب توازن الدهون في الجسم، فتزيد مستويات الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية، في حين تنخفض مستويات الكوليسترول الجيد، ما يُسرع من تطور تصلب الشرايين واحتمالية الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.
وتبين د. نجلاء بارود أن صحة العظام تتأثر سلباً بالتغذية غير الصحية، إذ إن نقص الكالسيوم وفيتامين «د» يُضعف بنية العظام، في حين أن الزيادة في الفوسفور والالتهابات المزمنة تُسرع من فقدان الكتلة العظمية وتزيد من خطر الإصابة بهشاشة العظام، كما يعزز الإفراط في المشروبات السكرية من تفاقم الوضع الصحي، وتراكم الدهون في الكبد، ما يُسهم في انتشار مرض الكبد الدهني غير الكحولي.
وتوصي بإعطاء الأولوية للأطعمة الكاملة والغنية بالعناصر الغذائية، كونها تعمل على تقليل مخاطر الأمراض، وتعزيز صحة القلب، وقوة العظام، ووظائف الجسم الأيضية على المدى الطويل، وتتطلب الوقاية التخلي عن عادات الأكل غير الصحي، واستهلاك الفواكه والخضراوات الطازجة، لما توفره من فيتامينات ومعادن ومضادات أكسدة أساسية، وإدراج المزيد من الأسماك التي تحتوي الأحماض الدهنية أوميجا 3 المضادة للالتهابات والتي تعزز صحة القلب.
وتنصح د. نجلاء بارود بتناول كميات كافية من البروتين للحفاظ على كتلة العضلات وعمليات التمثيل الغذائي الصحية، وممارسة النشاط البدني بانتظام، إذ إن 30 دقيقة فقط من التمارين يومياً كفيلة بتقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، ويُعد الترطيب السليم من العادات الوقائية، ويجب على البالغين شرب ما بين 2 إلى 3 لترات من الماء يومياً، مع توزيع كميات السوائل على مدار اليوم بحوالي 200 مل كل ساعة، ما يُساعد في دعم وظائف الجسم الحيوية والحد من الجفاف.
تسوس الأسنان
توضح لجين المشني، أخصائية تغذية، أن العادات الغذائية غير الصحية تؤثر بشكل مباشر في صحة الأشخاص خلال فترة قصيرة، حيث يؤدي الإكثار من تناول السكريات، الأطعمة المصنعة، الوجبات السريعة، والمشروبات الغازية إلى اختلالات واضحة في الجسم، ومن أبرزها تسوس الأسنان، حيث تعمل السكريات على تغذية البكتيريا في الفم، ما يزيد من إنتاج الأحماض التي تُضعف مينا الأسنان وتسبب النخر السنّي، خاصة عند الأطفال والمراهقين.
وتتابع: تُعد زيادة الوزن السريعة من النتائج قصيرة المدى للتغذية غير المتوازنة، بسبب ارتفاع السعرات الحرارية وقلة الألياف، ما يسبب ضعف الشعور بالشبع وتراكم الدهون، خصوصاً في منطقة البطن، وبالمقابل يؤدي الطعام الفقير بالعناصر الغذائية إلى نقص الفيتامينات والمعادن مثل: الحديد، فيتاميني «د»، «ب12»، والكالسيوم، وينجم عنه التعب العام، الشحوب، ضعف التركيز، ونقص المناعة.
وتوضح لجين المشني أن الأضرار لا تقتصر على الجانب الجسدي فقط، بل تمتد لتشمل الاضطرابات المزاجية وتقلبات المزاج، إذ أثبتت الدراسات أن الإفراط في السكريات يؤدي إلى ارتفاع سريع في سكر الدم يتبعه هبوط حاد، ما يسبب العصبية، القلق، والإرهاق كما يسبب نقص أوميجا 3، والمغنيسيوم عدم استقرار الجهاز العصبي، ولذلك فإن للتوعية الغذائية المبكرة دوراً أساسياً في الوقاية، حيث يمكن لتعديلات بسيطة مثل زيادة الخضراوات والفواكه، شرب الماء بانتظام، التقليل من السكريات، والعودة للطعام الطبيعي في الوقاية من الأمراض.
التغذية المثالية
تذكر أسواتي ساجيفان، أخصائية التغذية السريرية، أن الخطوات العملية للحصول على التغذية المثالية يكون عن طريق بناء عادات صحية طويلة الأمد، بإعداد طبق متوازن، يتضمن الفواكه الطازجة بديلاً للحلويات، والخضراوات والحبوب الكاملة والبروتينات والدهون الصحية بنسب متساوية، وتقليل تناول الأطعمة المصنعة عالية السكر والملح، حيث إن توافر الخيارات الغنية بالعناصر الغذائية يقلل الرغبة في تناول الأطعمة غير الصحية بشكل طبيعي، كما يجب استبدال الوجبات الخفيفة المقلية بالمخبوزة، والماء بدلاً من المشروبات المحلاة.
وتضيف: يعد تناول الطعام بوعي هو نهج فعال آخر، حيث يجب تشجيع جلوس جميع أفراد الأسرة معاً أثناء تناول الطعام دون استخدام الشاشات، مع الانتباه إلى إشارات الجوع والشبع، ما يدعم التحكم في الكميات بشكل أفضل ويقلل من الإفراط في تناول كميات كبيرة، ويساعد الأطفال في الحفاظ على مواعيد ثابتة للطعام والوجبات الخفيفة على تنظيم الشهية ومنع تناول الأصناف غير الضرورية.
وتشير أسواتي ساجيفان إلى أن البيئة المنزلية الداعمة تُحدث فرقاً كبيراً، عندما يُقدم الآباء نموذجاً إيجابياً في سلوكيات الأكل المتوازنة، يتبع الأطفال ذلك بشكل طبيعي، كما تؤدي عادات نمط الحياة البسيطة، مثل النوم الكافي والنشاط البدني المنتظم والحفاظ على رطوبة الجسم، دوراً رئيسياً في تقليل الرغبة الشديدة في تناول الطعام غير الصحي، ما يقلل من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بنمط الحياة.
علاقة خفية
تقول د. شما لوتاه، متخصصة في البرمجة اللغوية العصبية، إن هناك علاقة خفية بين الطعام والحالة النفسية، إذ إن الوحدة والضغوط وغياب الحوار والمقارنات المستمرة كلها عوامل تدفع المراهق لاستخدام الطعام كوسيلة للتهدئة أو حتى للهروب من الواقع، وبالتالي يصبح الإفراط أو الامتناع مرآة تعكس صراعاً داخلياً.
وتتابع: من الناحية البيولوجية يُطلق تناول الطعام، وخاصة السكريات هرمونات مثل: الدوبامين التي تمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة، ولكن مع تكرار هذا السلوك بشكل غير واعٍ تتشوه علاقة المراهق بجسده ونفسه وتبدأ دورة إدمانيه غذائية.
وتشير د. شما لوتاه، إلى أن النحافة الشديدة لبعض المراهقين تكشف أن اضطراب الأكل لديهم لم يكن مرتبطاً بالجوع أو بالشبع، بل نابع من مشاعر عميقة تشكّلت منذ الطفولة، كالمقارنة والبحث عن القبول، وينجم عن ذلك محاولات قاسية للامتناع عن الطعام بدافع داخلي لإثبات الذات، فيتحول الأكل من سلوك بيولوجي إلى لغة تعبير نفسي. وفي المقابل، فإن الإفراط في أكل الحلويات والسكريات والوجبات السريعة قد يصبح رفيقاً صامتاً يعبر عن فراغ عاطفي أو حاجة للاحتواء، ورغم الشعور المؤقت بالراحة، إلا أن الجسم يدخل في دورة إدمانيه تؤثر في مناطق الدماغ المرتبطة بالمكافأة والانفعال. فالمراهق قد لا يقول أنا مضغوط أو أنا حزين لكنه يعبر عن ذلك بطريقة مختلفة بالإفراط في الأكل أو بالامتناع عنه، أو بالانشغال المفرط بمظهره الخارجي.
وتلفت د. شما لوتاه إلى أن غياب القدرة على تفريغ المشاعر بشكل صحي يعطل التواصل بين الدماغ والجسم، فلا يشعر المراهق بالجوع أو الشبع، بل يأكل بدافع عاطفي لا جسدي، لذلك من الضروري بناء بيئة آمنة تُنصت دون إصدار أحكام، وتحتوي بلا مقارنات، حتى لا يكون الطعام وسيلة للهروب بل يصبح استجابة صحية لحاجة حقيقية.