علي عبدالله الأحمد*

السابعة من كل صباح، في طريقي إلى عملي، أمرّ ب«واحة الكرامة». تلك الألواح الأسمنتية المائلة، المتكئة على بعضها البعض،
لا تشبه أي نصب تذكاري آخر. ليست صامتة كما تبدو، بل كأنها تتنفس، وكأنها تحفظ أسراراً أثقل من الحجر. يتكرر المشهد يومياُ، وفي كل مرة أشعر بأن هذا النصب يهمس في أذني. وبعد ثلاث سنوات من مروري اليومي، لم يعد الأمر مجرد طريق معتاد، بل صار حواراً صامتاً، ورسائل غير مكتوبة، تصلني كلما مررت بجوار «واحة الكرامة».
هناك، يتجسد معنى أن يكون الإنسان أكثر من جسد، وأكثر من حياة عابرة. ليس هناك أسمى من أن يؤدي الإنسان قسماً بأن يهب روحه فداءً لوطنه، وأن يلبي بلا تردد ما يؤمر به من قادته، حتى إن كان يعلم أن النهاية قد تكون حياته نفسها. هذا ليس خطاباً، ولا شعاراً، بل حقيقة عاشها رجال، ومضوا وهم على يقين أن ما يقدمونه أثمن من أعمارهم.
شهداء الإمارات لم يذهبوا إلى اليمن بحثاً عن مجد شخصي، ولا طمعاً في أرض، ولا رغبة في صراع. ذهبوا لأن نداء الوطن حين يأتي لا يُجادَل، ولأن الواجب حين يُستدعى لا يُؤجَّل. تلك الأرواح الطاهرة التي عرجت إلى بارئها آمنت بأن نداء الوطن واجب مقدس، وأن القَسم الذي يُؤدى لا يُكسر. هم شهداء في منزلة لا تضاهيها منزلة، لأنهم اختاروا أن يكونوا جسراً تعبر عليه القيم، لا أسماء تُكتب فقط على ألواح.
استشهدوا وهم يؤدون واجبهم للدفاع عن عقيدة آمنوا بها، وعن مبدأ آمنوا أنه لا يسقط بالتقادم: نصرة المظلوم، ورفع الظلم، والدفاع عن الشرعية. استشهدوا على أرض لم تكن أرضهم، وليس لها حدود مباشرة مع دولتهم، لكنهم أدركوا أن القيم لا تعرف الجغرافيا، وأن الظلم إذا تُرك في مكان، تمدد إلى كل مكان. كان اليمن بالنسبة لهم اختباراً للضمير، لا ساحة حرب فقط.
الإمارات لم ترَ في اليمن يوماً ساحة نفوذ، بل ساحة مسؤولية. وحين اختلط تراب اليمن بدماء أبناء الإمارات، سقطت كل الأسئلة الصغيرة، وكل المزايدات الرخيصة. لم تعد هناك حاجة للتبرير، ولا للشرح، ولا للدفاع بالكلمات، فالدم حين يُسفك من أجل إنقاذ الآخر، يصبح أبلغ من أي خطاب سياسي. دماء أبناء الإمارات كانت رسالة واضحة: نحن هنا لأن الواجب ينادينا، لا لأن المصلحة الضيقة تقودنا.
لمن نسي أو تناسى، فإن القنوات الإعلامية التي تنشط وتروّج وتزيف بأن للإمارات أطماعاً في اليمن هي ذاتها من احتضنتها الإمارات لأكثر من عشرين عاماً، آمنين على أنفسهم وأهليهم، حينما كانت الفتاوى تحرّم برامجها وتجرّم قياداتها ونجومها بل وتهدر دماءهم أحياناً.
وعلى بعد أمتار قليلة من «واحة الكرامة»، يوجد قبر المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأب والمعلم والقائد، تلك المسافة القصيرة بين النصب وقبر الوالد المؤسس ليست مصادفة جغرافية، بل تحمل معنى عميقاً ورمزية صادقة، هنا تتلاقى النية الصادقة بالفعل، والوصية بالتنفيذ، والكلمة بالدم. من هنا تعلموا أن الوفاء ليس شعاراً يُرفع، بل سلوك يُورث، وأن الذكر الخالد لا يُصنع بالكلام، بل بالمواقف..
وَإِنِ امْرُؤٌ أَسْدَى إِلَيْكَ أَمَانَةً
فَوَفِّ بِهَا إِنْ مِتَّ سُمِّيتَ وَافِيَا
لقد أدوا الأمانة كاملة، ولم ينقصوا منها شيئاً. وفوا بالقسم، ووفوا بالوطن، ووفوا بالقّيم التي نشأوا عليها. رحلوا، لكنهم تركوا خلفهم معنى أبلغ من الغياب، معنى يقول إن الإمارات ليست بحاجة لأن تبرر موقفها، لأن أبناءها قدموا البرهان الأغلى.
كل صباح أُدرك أن هذا الطريق ليس مجرد طريق إلى العمل، بل طريق إلى الذاكرة. أدرك أن تلك الألواح الأسمنتية ليست جدراناً، بل صفحات من كتاب الوفاء. وعلى الرغم من محاولات الزج باسم الإمارات لخدمة الأجندات السياسية، ستظل «واحة الكرامة» شاهدة على رجال جاؤوا لا ليأخذوا، بل ليعطوا، وعلى شهداء كتبوا بدمهم سطراً لا يُمحى في تاريخ الإمارات والمنطقة. هنا وقفنا لأن الواجب نادانا، وهنا وفينا، والأمانة يحملها الأوفياء.

* سفير سابق في ألمانيا وفرنسا