عندما عدنا إلى الدولة بعد حصولنا على البكالوريوس من الجامعات الأمريكية، كنا نحمل في أذهاننا صورة مثالية عن البداية المهنية. كنا نظن أن الشهادة وحدها كفيلة بفتح الأبواب، وأن اللغة الإنجليزية بلكنتها الأمريكية ستمنحنا تميزاً تلقائياً. لكن الواقع في «اتصالات» كان غير ذلك. تم توزيعنا على أقسام مختلفة بالشركة التي ابتعثتنا، دون مجاملات أو افتراضات مسبقة، وكأن الرسالة الأولى كانت واضحة: العمل هو المعيار والبداية من الدرجة الأولى في السلم.
في التسعينات، كانت اللغة الإنجليزية الجيدة مدعاة للإعجاب، وربما سبباً لفرص أوسع. لكن في «اتصالات»، لم يكن لذلك وزن إضافي. لم تكن هناك «ريشة فوق رأس» خريجي الجامعات الأجنبية، ولا استثناءات.
بدأت عملي في قسم المبيعات، على كاونتر الطلبات، على بُعد أمتار من الباب. لا مكتب، لا كرسي، بل معاملات يومية لمشتركين يقفون بأوراقهم: طلب هاتف منزلي، أدقق على نسخ جوازات، ملكيات بيوت، وآلة نسخ ضخمة خلفي، وختم أزرق لا تكتمل المعاملة إلا بعدما يدوي صوته على الورق.
لم يكن لهذا العمل صلة مباشرة بما درسته أربع سنوات في الإدارة في الولايات المتحدة، ومع ذلك شعرت بالإنجاز. مع كل ختم، كنت أؤدي دوراً واضحاً، ملموساً، يخدم الناس ويُنجز معاملاتهم. كنت «حارس البوابة» بالمعنى البسيط: أُتمّ الإجراءات، أتحقق من الاكتمال، وأُسهم في سير العمل. تلك اللحظة علمتني أن القيمة لا تأتي من مسمى الوظيفة، بل من أثرها.
عندما نزور دول الجوار، نرى شبابها في المتاجر والفنادق والمطاعم، يتعاملون مع الجمهور بثقة واعتزاز. لا يختبئون خلف مكاتب، ولا ينتظرون ألقاباً إدارية. مشهد مفرح، لأنه يعكس ثقافة ترى في العمل خدمة، لا مرتبة اجتماعية. وهنا يبرز السؤال: كيف نعزز هذه الثقافة بين المواطنين في الإمارات؟
ما زالت النظرة الدونية لبعض المهن قائمة لدى البعض، وقد يصل الأمر إلى الخجل من ذكر المسمى الوظيفي. تغيير هذه الثقافة يبدأ بالاعتراف بأن كل عمل—حكومياً كان أو خاصاً—هو خدمة للوطن. لا توجد وظيفة «لا تليق»، بل توجد فرصة للعمل والمشاركة والبناء. الذي لا يليق بالمواطن حقاً هو البطالة، أو انتظار دورٍ متخيل لا يخدمه ولا يخدم بلده.
العمل شرف، أينما كان، وبأي مسمى. ومن يبدأ من كاونتر اليوم، قد يقود مؤسسة غداً، إذا امتلك القناعة والانضباط واحترام قيمة الجهد.