في عام 2018، وفي سفارة الدولة في برلين، عُرض فيلم وثائقي قديم بالأبيض والأسود ضمن فعاليات «عام زايد». كان المشهد بسيطاً في ظاهره، عميقاً في دلالته: رجل إماراتي يسير حافي القدمين فوق رمال الصحراء، يمسك لجام بعيره، وقد وضع نعاله تحت إبطه.
صورة صامتة، لكنها تقول الكثير. اقترب مني أحد الضيوف الألمان، وقد بدا عليه الفضول، وسأل مبتسماً: «لماذا لا يلبس نعاله؟ يبدو كأنه يستمتع بالمشي على الرمال الناعمة». أجبته بهدوء: «ليست رمالاً ناعمة، بل ملتهبة. ولم يكن ذلك من باب المتعة، بل من ضيق العيش. كان يحتفظ بنعاله حتى لا تبلى».
اتسعت حدقتا عينيه، وصمت لثوانٍ كأن الصورة اكتملت فجأة في ذهنه. ثم قال جملة قصيرة، لكنها بقيت عالقة في الذاكرة: «هذه صورة تجسد كفاحكم... حدّثوا أبناءكم عنها كثيراً».
تلك الجملة لم تكن تعليقاً عابراً، بل كانت تذكيراً بمسؤولية لا تسقط بالتقادم، فاليوم، تقع على كل إماراتي في الخمسين من عمره أو أكثر مهمة أخلاقية ووطنية: أن يشرح للأجيال الجديدة كيف كانت البدايات، وكيف شُيّد هذا الوطن خطوة خطوة، وسط شح الموارد وقسوة الظروف.
شباب الإمارات اليوم هم أغلبية المجتمع، وهم أمله ومستقبله وبهجته، لكنهم لم يعيشوا مرحلة ما قبل الاتحاد، ولا التحول الكبير الذي أعقبه. الحاضر الذي يعيشونه، بما يحمله من رفاه واستقرار وفرص، قد يبدو لهم وكأنه وُجد هكذا منذ البداية، بعيداً كل البعد عن صور الآباء والأجداد التي تحكي عن مدارس قليلة، ومستشفيات محدودة، وطرق ترابية، وإمكانات متواضعة، وحياة تعتمد على الصبر والاحتمال.
ولذلك، لا تخلو رسائل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأصحاب السمو الحكام من العودة إلى الماضي: إلى البدايات الصعبة، وإلى بساطة العيش، وإلى التحديات التي واجهها الآباء المؤسسون. ليست هذه الإشارات حنيناً إلى زمن مضى، بل بوصلة أخلاقية تذكّرنا بأن قيمة ما نملكه اليوم لا تُفهم إلا إذا عرفنا ثمنه.
حين نحكي لأبنائنا عن الرجل الذي سار حافياً في الصحراء، لا نروي قصة فقر، بل نزرع معنى. معنى أن هذا الوطن لم يُبنَ بالصدفة، بل بالإرادة والصبر والحكمة، وأن واجبنا اليوم هو أن نحفظ الذاكرة حيّة، حتى تبقى نعم الله علينا مصحوبة بالوعي، والإنجاز مرتبطاً بالتواضع، والمستقبل متصالحاً فخوراً بجذوره.