د. نورة حسن الحوسني
المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، باعتبار عام 2026 عام الأسرة الإماراتية، لتعزيز دورها كركيزة أساسية للمجتمع، ودعم الترابط الأسري توازياً مع الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 2031، لم تأت أمراً منفصلاً أو حدثاً عابراً، بل امتداد لنهج وطني شامل ورؤية تستمد روحها من تراث الإمارات الثقافي الأصيل، وثقافة المجتمع الإماراتي التي تمتد جذورها في عمق التاريخ.
ولفهم هذه الثقافة لابد من قراءة تاريخ الأسرة الإماراتية، والمفاصل التاريخية التي مرت بها. فكما هو معروف قبل اكتشاف النفط كانت الأسرة الإماراتية أسرة تقليدية في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، حيث اعتمد النشاط الاقتصادي فيها على الغوص على اللؤلؤ، وصيد الأسماك، والتجارة، والرعي، وبعض الحرف التقليدية البسيطة، والزراعة.
وكانت الأسرة تمثل وحدة سكنية واحدة، ويقيم الأفراد فيها في منزل واحد، أو عدة منازل متجاورة، وكانت هذه الأسرة مستقرة رغم الظروف الصعبة وقسوة الحياة وشحّ الموارد، كما كانت الأم داخل الأسرة هي المسؤولة عن تدبير كافة احتياجات أفرادها نظراً للغياب النسبي للرجال في أعمال التجارة وصيد السمك واستخراج اللؤلؤ وخلافه، الأمر الذي دفعها تحت تأثير حاجات الأسرة إلى المشاركة في زيادة دخلها وخروجها من المنزل للقيام بكافة الأعمال التجارية البسيطة.
ولم تعرف الأسر الإماراتية في ذلك الوقت صور الإسراف والمبالغة في الكماليات والاهتمام بالمظاهر، وكانت المساكن بسيطة على الغالب سواء من حيث البناء أو الأثاث.
ومع اكتشاف النفط في خمسينات القرن الماضي، باتت الإمارات على مفترق طرق حقيقي، إذ أدى اكتشاف الثروة النفطية، إلى إحداث تغييرات وتحولات جذرية في المجتمع الإماراتي، حيث أضحت عائدات النفط تشكل الجزء الأكبر من موارد البلاد، كما أن قيام دولة الاتحاد في العام 1971م، قد أسهم في إحكام السيطرة على الثروة النفطية واستغلالها بالشكل الأنسب، من أجل القيام بالمشاريع الكبرى في البلاد.
وكغيره من المجتمعات، مر المجتمع الإماراتي بسلسلة من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، قبل أن يصل إلى الواقع الذي تعيشه الإمارات حالياً، حيث تتوفر كل مقومات الحياة الكريمة، التي تحترم إنسانية الإنسان، وتوفر له مستوى حياة جيدة ورفاهية وسعادة لكل من يقيم على أرض الإمارات الطاهرة.
وبطبيعة الحال انعكس هذا التطور على الأسرة الإماراتية بشكل خاص، حيث أحدثت التطورات الاقتصادية والحضارية تحولاً في نمط الحياة الأسرية، فتراجع إلى حد ما حضور الأسرة الممتدة، وبات الشباب والشابات يتجهون لتأسيس منازلهم الخاصة بعد الزواج، لكن العادات والتقاليد والترابط الأسري ظل الأكثر وضوحاً في المجتمع الإماراتي.
لكن أهم ما يميز هذه الأسرة هو الحفاظ على التراث الإماراتي والأخلاق والعادات الأصيلة التي تستمد جذورها من التراث العريق للإمارات، وبفضل القيادة الإماراتية الحكيمة التي تولي الأسرة الإماراتية جُلّ اهتمامها، وتعمل على الدوام لتحسين ظروفها والعمل على تأمين كل متطلباتها باعتبارها ركيزة أساسية في بناء المجتمع الإماراتي، الذي يشهد تطوراً لافتاً على جميع الصعد.
والواقع أن من يقرأ شهادات الذين عرفوا الإمارات في الماضي لابد أن تدهشهم حركة التطور السريع الذي شهدته البلاد، وانعكس كثيراً على مختلف جوانب المجتمع الإماراتي الذي يمتلك العديد من المقومات الأساسية، التي تجعل منه مجتمعاً مثالياً، وأهم هذه المقومات بالإضافة إلى الهوية الوطنية الجامعة، هي تلك الفلسفة والرؤية العميقة التي أرسى دعائمها الراحل الكبير والمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان يؤكد أن الأسرة هي أساس المجتمع القوي والمزدهر، وأنها المدرسة الأولى لغرس القيم والهوية الوطنية، حيث كان يشدد على أهمية بناء الإنسان وتمكين المرأة كشريك كامل في التنمية.
ولذلك، لا غرابة أن يستلهم شعار هيئة رعاية الأسرة من مقولة المغفور له الشيخ زايد: «الأسرة أساس أي مجتمع متطور»، حيث تمثل الأسرة نواة أي مجتمع متماسك وأمة واعدة وناجحة.
وبالعودة إلى المبادرة التي أطلقها صاحب السمو رئيس الدولة لاعتبار عام 2026 «عام الأسرة» في الإمارات، نرى بكل وضوح أن هذه المبادرة الوطنية المخلصة تهدف إلى تعزيز مكانة الأسرة وتطوير سياسات داعمة، وبرامج شاملة، ورفع الوعي بأهمية الترابط الأسري وغرس القيم الأصيلة، بهدف تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية وبناء جيل متماسك ومزدهر، يشيد صرح هذا الوطن ويحميه بالسواعد ويصونه ويرفع رايته عالياً بين الأمم.
ويأتي هذا العام ليذكرنا بأن الحفاظ على تماسك الأسرة هو السبيل الأهم للحفاظ على تماسك الوطن، والمحافظة على كرامة أبنائه، وأن نهضة الأمم تبدأ من بيت صغير تسكنه المحبة والألفة، ويظلّله الاحترام، وتجمعه المسؤولية والإخلاص، وهو أمر أدركته القيادة الإماراتية جيداً، باعتبار أن الأسرة المتماسكة تصنع مواطناً صالحاً، لذلك أولتها عناية خاصة عبر تشريعات تحميها، ومبادرات تدعم استقرارها، وبرامج تُعنى بتربية الأبناء وتعزيز الترابط بين الأجيال.