في حضرة وطننا الحبيب الإمارات، حيث تتكئ رمال الوطن على ذاكرة البحر، وتاريخ شعب عريق، تنهض رواية ملحمية استمدت صفحاتها من صلابة الصحراء وقسوتها، ومن سواعد الآباء والأجداد الذين سطروا بدمائهم وعرقهم قصة هذا الوطن الشامخ بسطور من نور.
في إماراتنا حيث تنهض الحضارة وترتفع المآذن من صمت الصحراء كأنها دعاء رباني لا ينضب ولا ينكسر، يولد الوفاء لا ككلمة أو شعار بل كعقيدة تسري في العروق وتنبض بالحياة كما القلب في الجسد، وكقصيدة حب ووفاء من شعب الإمارات لوطنه، واستعداده للذود عن حياضه وتقديم الغالي والنفيس لأجله، لأنه شعب إذا اشتدت الرياح، لم ينحنِ بل صار هو الريح. وإذا علا الخطر، لم يهرب وإنما يتقدم بكل إيمان وجسارة، شعب لا يرى في الوطن أرضاً فقط، بل روحاً، عرضاً، وتاريخاً مكتوباً بدم الأجداد وصبر الآباء.
ولذلك حينما جاءت الحرب وغدت الاعتداءات الإيرانية على الإمارات حدثاً شبه يومي لم ترتجف الفرائص والقلوب في الصدور خوفاً، بل اشتعلت قلوب أبناء الوطن والقائمين على أرضه المباركة بالإيمان واليقين بأن هذه الأرض التي روتها التضحيات، لا تستسلم ولا تساوم على حق، وأنها كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، غليظة الجلد مر لحمها، لا تستكين أمام الظلم والعدوان.
فعلى مدى أيام الحرب والعدوان بات صمود الإمارات لغة يومية، وأضحى الولاء لهذا الوطن الشامخ فعلاً حياً ترجمه بكل جدارة واقتدار أبطال قواتنا المسلحة الذين وقفوا بقلوب صلبة مؤمنة، وكانوا قلب الوطن وعقله، وكانوا الحراس الشرفاء للوطن والشعب الإماراتي، الذي أثبت هو أيضاً أنه الجدار الأصلب الذي يستعصي على الاختراق، أو الانكسار، فهذا الشعب ابن الصحراء التي علمته الصبر، وابن البحر الذي لقنه الشجاعة، وابن القيادة الوطنية التي غرست فيه معنى الكرامة والسيادة الوطنية، فبات صلباً عنيداً إذا حاولت العواصف الاقتراب منه، وجدت أمامها شعباً كالجبال التي لا تهزها الصدمات، شعباً لا تضعفه التهديدات بل تزيده صلابة واتحاداً، ووفاء للوطن.
ففي وطننا الإمارات الوفاء ليس مجرد خيار، وإنما هو هوية وانتماء وفلسفة حياة، وتحدي الصعاب ليس ردات أفعال بل طبيعة، وهنا الوطن ليس مكاناً للعيش فقط، وإنما كيان يعيش في قلوب أبنائه الذين أثبتوا أنهم على استعداد للذود عنه وحمايته بقلوبهم قبل زنودهم.
لقد أثبتت الإمارات بقيادتها الوطنية والمؤمنة جدارتها وقدرتها على احتواء الصعاب وتحويلها لانتصارات، ففي الوقت الذي تلبد فيه الأفق بالغيوم، وعلت نبرة القلق في محيطٍ مضطرب، لم تكن الإمارات العربية المتحدة مجرد أرضٍ تعبر فوقها الأزمة، وإنما غدت سماءً تحتضن الجميع بثباتٍ نادر، وطمأنينةٍ ويقين.
هنا في إماراتنا الحبيبة لم يسأل الإنسان من أين جاء، وما هي جنسيته، بل أين يقف؟ فالإماراتيون والمقيمون الذين ينحدرون من عشرات الجنسيات كانوا صفاً واحداً كأنهم روحٌ واحدة في جسد وطن، لا تمييز أو تمايز بينهم إلا بمقدار الحب الذي يحملونه لهذه الأرض والوطن الكريم المعطاء، ولا اختلاف بينهم إلا في لهجات الدعاء ولغاته حينما ترتفع الأكف بالدعاء لهذا الوطن الكريم، طالبة من الله له الحفظ والسلام.
في شوارع الإمارات وبيوتها وفي مواقع العمل وعلى طرقات التنقل بين المدن، كان الهدوء سيد المشهد، ليس هدوء الخوف والريبة وإنما هدوء الثقة والاطمئنان. ثقة شعب مؤمن بقيادة وطنية صلبة الإرادة تعرف متى تصمت بحكمة، ومتى تتكلم بوضوح، ومتى تتحرك بحزمٍ يسبق الخطر ولا ينتظره.
لم تتجل شجاعة الإمارات بالضجيج، بل في القرار الرصين، وفي تلك اليد التي تُمسك بميزان القوة والعقل معاً، فلا تميل نحو التهور والانفعالية العمياء، ولا تنزلق إلى الضعف. قيادة وطنية حكيمة قرأت المشهد بعين الحكيم، وأدارت التحدي بعقل الدولة الحضارية، بكل اقتدار، فحفظت للناس أمنهم وسلامتهم وكرامتهم، فلم تتعثر الحياة رغم الأزمة ولم ينكسر إيقاع المدن، بل مضت سيرورة الحياة بانتظام كما لو أن ما يحدث خارج الحدود مجرد غيمة صيف، مرت سريعاً، دون أن تنال من صفاء السماء، ومن أمن الوطن.
حتى ليشعر كل من على هذه الأرض الطيبة أنه في قلب حضن آمن كحضن الأم، وسط حماية لا ترى بل تحس بتفاصيلها في كل لحظة.
إنها الإمارات؛ وعد صدق لا ينكث وعهد متين لا تكسره العواصف، بيت يفتح أبوابه للجميع ويحميهم كأهله، ولذلك فإن الانتماء لهذا الوطن شرف والعمل لأجله أشبه بالعبادة، والدعاء لسلامه واجب لا يستثني أحداً ممن عرفوه وتنفسوا هواءه.
والإمارات ليست مجرد اسمٍ لبقعة جغرافية على الخريطة، لكنها معنى كبير وعنوان للأمان والوفاء، والإنسانية، بأبهى صورها وأكثرها وضوحاً.
د. نورة حسن الحوسني
المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، باعتبار عام 2026 عام الأسرة الإماراتية، لتعزيز دورها كركيزة أساسية للمجتمع، ودعم الترابط الأسري توازياً مع الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 2031، لم تأت أمراً منفصلاً أو حدثاً عابراً، بل امتداد لنهج وطني شامل ورؤية تستمد روحها من تراث الإمارات الثقافي الأصيل، وثقافة المجتمع الإماراتي التي تمتد جذورها في عمق التاريخ.
ولفهم هذه الثقافة لابد من قراءة تاريخ الأسرة الإماراتية، والمفاصل التاريخية التي مرت بها. فكما هو معروف قبل اكتشاف النفط كانت الأسرة الإماراتية أسرة تقليدية في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، حيث اعتمد النشاط الاقتصادي فيها على الغوص على اللؤلؤ، وصيد الأسماك، والتجارة، والرعي، وبعض الحرف التقليدية البسيطة، والزراعة.
وكانت الأسرة تمثل وحدة سكنية واحدة، ويقيم الأفراد فيها في منزل واحد، أو عدة منازل متجاورة، وكانت هذه الأسرة مستقرة رغم الظروف الصعبة وقسوة الحياة وشحّ الموارد، كما كانت الأم داخل الأسرة هي المسؤولة عن تدبير كافة احتياجات أفرادها نظراً للغياب النسبي للرجال في أعمال التجارة وصيد السمك واستخراج اللؤلؤ وخلافه، الأمر الذي دفعها تحت تأثير حاجات الأسرة إلى المشاركة في زيادة دخلها وخروجها من المنزل للقيام بكافة الأعمال التجارية البسيطة.
ولم تعرف الأسر الإماراتية في ذلك الوقت صور الإسراف والمبالغة في الكماليات والاهتمام بالمظاهر، وكانت المساكن بسيطة على الغالب سواء من حيث البناء أو الأثاث.
ومع اكتشاف النفط في خمسينات القرن الماضي، باتت الإمارات على مفترق طرق حقيقي، إذ أدى اكتشاف الثروة النفطية، إلى إحداث تغييرات وتحولات جذرية في المجتمع الإماراتي، حيث أضحت عائدات النفط تشكل الجزء الأكبر من موارد البلاد، كما أن قيام دولة الاتحاد في العام 1971م، قد أسهم في إحكام السيطرة على الثروة النفطية واستغلالها بالشكل الأنسب، من أجل القيام بالمشاريع الكبرى في البلاد.
وكغيره من المجتمعات، مر المجتمع الإماراتي بسلسلة من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، قبل أن يصل إلى الواقع الذي تعيشه الإمارات حالياً، حيث تتوفر كل مقومات الحياة الكريمة، التي تحترم إنسانية الإنسان، وتوفر له مستوى حياة جيدة ورفاهية وسعادة لكل من يقيم على أرض الإمارات الطاهرة.
وبطبيعة الحال انعكس هذا التطور على الأسرة الإماراتية بشكل خاص، حيث أحدثت التطورات الاقتصادية والحضارية تحولاً في نمط الحياة الأسرية، فتراجع إلى حد ما حضور الأسرة الممتدة، وبات الشباب والشابات يتجهون لتأسيس منازلهم الخاصة بعد الزواج، لكن العادات والتقاليد والترابط الأسري ظل الأكثر وضوحاً في المجتمع الإماراتي.
لكن أهم ما يميز هذه الأسرة هو الحفاظ على التراث الإماراتي والأخلاق والعادات الأصيلة التي تستمد جذورها من التراث العريق للإمارات، وبفضل القيادة الإماراتية الحكيمة التي تولي الأسرة الإماراتية جُلّ اهتمامها، وتعمل على الدوام لتحسين ظروفها والعمل على تأمين كل متطلباتها باعتبارها ركيزة أساسية في بناء المجتمع الإماراتي، الذي يشهد تطوراً لافتاً على جميع الصعد.
والواقع أن من يقرأ شهادات الذين عرفوا الإمارات في الماضي لابد أن تدهشهم حركة التطور السريع الذي شهدته البلاد، وانعكس كثيراً على مختلف جوانب المجتمع الإماراتي الذي يمتلك العديد من المقومات الأساسية، التي تجعل منه مجتمعاً مثالياً، وأهم هذه المقومات بالإضافة إلى الهوية الوطنية الجامعة، هي تلك الفلسفة والرؤية العميقة التي أرسى دعائمها الراحل الكبير والمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان يؤكد أن الأسرة هي أساس المجتمع القوي والمزدهر، وأنها المدرسة الأولى لغرس القيم والهوية الوطنية، حيث كان يشدد على أهمية بناء الإنسان وتمكين المرأة كشريك كامل في التنمية.
ولذلك، لا غرابة أن يستلهم شعار هيئة رعاية الأسرة من مقولة المغفور له الشيخ زايد: «الأسرة أساس أي مجتمع متطور»، حيث تمثل الأسرة نواة أي مجتمع متماسك وأمة واعدة وناجحة.
وبالعودة إلى المبادرة التي أطلقها صاحب السمو رئيس الدولة لاعتبار عام 2026 «عام الأسرة» في الإمارات، نرى بكل وضوح أن هذه المبادرة الوطنية المخلصة تهدف إلى تعزيز مكانة الأسرة وتطوير سياسات داعمة، وبرامج شاملة، ورفع الوعي بأهمية الترابط الأسري وغرس القيم الأصيلة، بهدف تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية وبناء جيل متماسك ومزدهر، يشيد صرح هذا الوطن ويحميه بالسواعد ويصونه ويرفع رايته عالياً بين الأمم.
ويأتي هذا العام ليذكرنا بأن الحفاظ على تماسك الأسرة هو السبيل الأهم للحفاظ على تماسك الوطن، والمحافظة على كرامة أبنائه، وأن نهضة الأمم تبدأ من بيت صغير تسكنه المحبة والألفة، ويظلّله الاحترام، وتجمعه المسؤولية والإخلاص، وهو أمر أدركته القيادة الإماراتية جيداً، باعتبار أن الأسرة المتماسكة تصنع مواطناً صالحاً، لذلك أولتها عناية خاصة عبر تشريعات تحميها، ومبادرات تدعم استقرارها، وبرامج تُعنى بتربية الأبناء وتعزيز الترابط بين الأجيال.
[email protected]
د.نورة حسن الحوسني*
توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتخصيص عام 2026 ليكون «عام الأسرة» تعزيزاً لأهداف الأجندة الوطنية لنمو الأسرة الإماراتية يعد ترسيخاً حقيقياً للدور المحوري للأسرة الإماراتية، باعتبارها الركيزة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع..ودورها في غرس قيم المواطنة الصادقة المخلصة وعلاقات التعاون والترابط والتآلف التي يتميز بها مجتمع الإمارات ونقلها إلى الأجيال المقبلة للحفاظ عليها وضمان استمراريتها، لأنها في الواقع تشكل السياج الفكري والثقافي والديني الذي يحمي الوطن ويصون كرامته.
وعندما نتكلم عن الأسرة فإنه من نافل القول إن المرأة تمثل محور الحديث لأنها صاحبة الدور الأكبر والأهم والأكثر تأثيراً في مؤسسة الأسرة، الخلية الأساس في المجتمع، فهي الأم وهي الزوجة والمعلمة والعاملة ومربية الأجيال والدبلوماسية ورفيقة الرجل في مسيرة الحياة وبناء الوطن بكل ما في هذه الكلمة من معنى.
وإذا كانت المرأة بشكل عام تستحق كل الثناء والتقدير، فإن زوجات شهداء الوطن في يوم الشهيد يتبوأن قائمة النساء الأكثر عطاءً والأقدر على ترجمة رسالة المرأة في الحياة وتجاه الوطن، وذلك لكبير دورهن وأهميته في تنشئة أبنائهن على الأخلاق، والوطنية الصادقة، ما يتطلب منهن أن يكن لهم قدوة حسنة، وأن يغرسن فيهم قيم حب الوطن والتضحية من خلال قصص آبائهم الشهداء البطولية، وإظهار افتخارهن بالشهيد أمام أبنائه.
وفي يوم الشهيد لابد لنا أن نسلط الضوء أيضاً على ذلك الظل الإنساني والعاطفي الذي يشكلنه زوجات الشهداء، اللائي يتولين زمام الأمور في تربية الأبناء وتعزيز الروح الوطنية عندهم، استكمالاً لما ترجمه الأب الشهيد واقعاً عندما قدم روحه وكل ما يملك في سبيل ربه والوطن الذي عشقه بروحه، وبات خيطاً في نسيجه المتين.
في يوم الشهيد الإماراتي، وعلى الرغم مما تحمله هذه المناسبة من حزن على فراق الذين ضحوا لأجلنا، وبذلوا أعز ما يملكون من أجل حماية الوطن ومستقبل أبنائه، بيد أننا نرفع في الوقت ذاته هاماتنا عالياً، ونشرئب للعلياء مثلما تشرئب أشجار النخيل العالية في ربوع وطننا الشامخ، عندما ندرك أن خلف هؤلاء الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم، نساء طاهرات مؤمنات لا ينقصن وطنية وعطاءً عن الشهداء أنفسهم، لا سيما في ظل قيادتنا الوطنية الصادقة التي أثبتت وتثبت دائماً أنها الداعم والسند لهؤلاء النساء الصابرات اللواتي آلين على أنفسهن إلا أن يكملن الطريق من خلال إعداد أبنائهن للمستقبل، كما تتطلبه المسؤولية الدينية والوطنية والأخلاقية.
وأنا باعتباري أحمل ذلك الشرف، لأنني زوجة شهيد، تراني أنتظر في كل عام الاحتفال بيوم الشهيد لاستذكر به خصال زوجي الراحل وأيامه النقية، كما تستذكر بلادنا كل الشهداء الأبرار في واحة الكرامة وعند صرح الشهيد، بل وفي كل شارع يحمل اسم شهيد إماراتي، وحتى في الكتب المدرسية حيث سطرت أسماء شهدائنا في المنهاج الدراسي لتدرس سيرهم في المدارس والجامعات كي تبقى أسماؤهم الطاهرة محفوظة في نفوس الطلبة والأجيال القادمة، باعتبارهم المصابيح التي أنارت لنا طريق المستقبل الذي تُعمّده دماء الشرفاء من أبناء وطننا الغالي، ما يجعل من واجب كل زوجة أو أم شهيد أو أخت شهيد بل وكل أسرة شهيد أن تذكّر الجيل دائماً، بهؤلاء المشاعل المنيرة الذين رحلوا من حيواتنا، كي يهبوا الوطن الحياة والكرامة.
وأخيراً لابد أن نستمر جميعنا على الإخلاص لذكراهم، قولاً وعملاً وفي مقدمة هذا الإخلاص تربية أبنائهم وتنشئتهم تنشئة صالحة لكي يقوموا بدورهم في ولائهم لقيادتنا الرشيدة الوطنية والمخلصة والحفاظ على وطن أعطاهم، وكان حضناً دافئاً لكل أبنائه.
*زوجة شهيد
قد تبدو مشاعرنا أحياناً عصيّة على الوصف، عندما يتعلق الأمر بالعواطف والمواقف الإنسانية المؤثرة، وهو ما أراني فيه بعد اختياري واحدة من النساء اللواتي كُرّمن في إطار مبادرة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، «مَن مثل أمّي»، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يوم الأم، لتكريم أمّهات إماراتيات صاحبات تضحيات استثنائية.
فهذه المبادرة بمقدار ما تحمله من نبل وقيم إنسانية عميقة، فإنها تأتي لتضيء على اللواتي يتركن أثراً استثنائياً في المجتمع والوطن الإماراتيَّين؛ فعندما نتحدث عن المرأة صاحبة التضحيات الاستثنائية، لا نتحدث عنها بوصفها الأم فقط، وإنما عن نصف المجتمع الأهمّ، الذي تناط به مهمات كبرى جلّها تربية الأجيال، وغرس القيم الوطنية والأخلاقية في النشء، وهي قيم تبدو في مقدمة الأهداف التي لا بدّ من تحقيقها، والمحافظة عليها، من أجل بناء وطن عزيز بمبادئه وقيمه، قوي بأبنائه وبناته.
عندما علمت بتكريمي بين النساء اللائي تمّ اختيارهنّ في هذه المبادرة القيّمة، اختلطت في داخلي المشاعر، مزيجاً من الفرح والاعتزاز والفخار، فهو تكريم من قائد كبير، ووطن غالٍ عزيز.
ولذا اجتاحتني مشاعر حبّ لوطني لا أستطيع وصفها؛ فمن يحب، لا يفكر كيف يقيس حبه، لا يتخيله، ولا يرقب نبض قلبه؛ من يحب يذوب في حبه، ويكون غارقاً في متاهات المشاعر، يلاحق قلبه الذي لا يتوقف عن الجري خلف المحبوب، وأيّ محبوب أحقّ بالحب من الوطن.
إن هذا التكريم اعتراف بما قدمته من دون مقابل، لوطن تربّيت فيه، وعشقته كما يعشق الوليد أمه. هذا التكريم لم يكن لأنني أم فقط، وإنما بسبب تلك التحديات التي واجهتها في حياتي، وجعلتُ منها فرصاً للنجاح، ومدخلاً للعطاء، بوقوفي مع أبنائي، وصديقاتي اللواتي يشاركنني ردّ الجميل لهذا الوطن المعطاء، وقيامي بدوري أمّاً ومدرّسةً لأطفالي، عبر اهتمامي بفتح باب الحوار بيني وبين المدرسة، التي واظبت على التواصل معها دائماً، للنهوض بمسؤولية تأسيس الأرضية الصلبة لأبنائنا لبناء مستقبلهم، ووقوفي ومساندتي لكل امرأة تشاركني تلك المسؤوليات الجسام في تربية النشء، وزرع بذور المبادئ الوطنية والقيم الأخلاقية في نفوس أبنائنا، الذين يعوّل عليهم في بناء مستقبل مشرق لوطننا الذي غمرَنا حبّه وعطاؤه، فضلاً عن القدرة على التوفيق بين العمل والعلم والهوايات المختلفة، إلى جانب تربية الأبناء، وإعدادهم ليكونوا ذخراً لوطن تنبض قلوبنا بحبه، الذي يسري في شراييننا كالدماء.
كلمات كثيرة أجدني أبحث عنها، علّني أستطيع بها التعبير عمّا يجيش في نفسي من مشاعر عصيّة على الوصف، حملتني على أجنحة ذاكرتي إلى ذلك اليوم الذي حملت فيه وسام الوطن لكوني أرملة شهيد. وذلك التكريم الذي أحاطت به قيادتنا المخلصة والوطنية، أسر شهداء الوطن من رعاية واهتمام.
فإذا كانت مسؤولياتنا، نحن النساء، كبيرة ومهمة في جميع مناحي الحياة، فإن هذا التكريم لا بدّ أن يزيد حجم هذه المسؤوليات، لنكون قدوة لغيرنا من النساء، اللواتي يراد لهنّ أن يكنّ استثنائيات أيضاً، في وطن استثنائي، وأن نكون تلك القوة الحانية التي تزيل الصخور من دروب الوطن، فنكون صادقات ومخلصات في حبنا للوطن والقيادة التي آثرت أن تكون في المقدمة دائماً، وأنموذجاً يحتذى في الوطنية والإخلاص للشعب والوطن.