د. منصور جاسم الشامسي
البابا فرنسيس (2013 – 2025) أرسى قواعد للسلام العالمي تتمثل في العدالة الاجتماعية والاقتصادية، والأخوّة الإنسانية، والتواصل الشامل، والانفتاح على الآخرين، والفضائل الشخصية والأخلاقية، والصالح العام، والإصلاح الإداري الحكومي، ونَبْذ العنف واستخدام القوة في العلاقات الدولية، والحوار السياسي كأداة للمراجعة والتغيير والبِناء، والحوار والتفاهم والتضامن والتكامل والإخاء والسلام المسيحي – الإسلامي، وزار 47 دولة، من ضمنها دولة الإمارات العربية المتحدة، وتُراثه غَنيّ موحٍ، ومنهجه يجمع بين التقاليد والتجديد والابتكار.
البابا فرنسيس، أرجنتيني، ولد عام 1936، في بيونس آيريس، من عائلة مهاجرين إيطاليين، فروا من الفاشية، 1929، والده محاسب، ووالدته من جنوب إيطاليا، ذو الثقافة الغنية المتنوعة الجذور والتأثيرات، يونانية – رومانية – عربية، إضافة إلى أنه كيميائي، وهذا خلق عنده اهتماماً بالبيئة ودقة علمية، ودَرَسَ العلوم الإنسانية واللاهوتية والفلسفة والأدب وعلم النفس، ويتقن عدة لغات، وعُرف بالبساطة وعدم التكلف، تخلى عن السيارة المخصصة له، مع سائقها، واستخدم وسائل النقل العامة، وترك «قصر البابوية» وعاش في غرفة في بيت القديسة «سانتا مارتا»، الصغير، وبناءً على وصيته، دُفن في كنيسة القديسة «مريم الكبرى» التاريخية، في روما، وليس في مدافن الباباوات الخاصة داخل الفاتيكان، وقبره بسيط مصنوع من حجر ليغوريا، أرض أجداده، من دون زخارف، عليه اسمه، فقط، ودُفنت معه (وثيقة أعماله ووصاياه) في أنبوب معدني مختوم.
تقول (ماريا)، شقيقة البابا فرنسيس، الصغرى، وتعيش في الأرجنتين، كان «مؤمناً»، منذ صغره، «لطيفاً»، وتربيته دينية، «لا يُؤذي أحداً»، «مسكين»، و«فقير»، وأقلقها خبر انتخابه حبراً أعظم في الفاتيكان، لضخامة مسؤوليات منصب البابا، وتمنت لو ظل شقيقها، كاهناً، وراهباً في كنيسته، بعيداً عن البابوية والأضواء، ولم تحضر (ماريا) مراسم تنصيبه في 2013 حين أبلغها بعدم الحضور وأن تتبرع بمبلغ كُلف الرحلة للأعمال الخيرية، وزارته، في الفاتيكان، مرة واحدة فقط، في فبراير (شياط) 2025.
قرار عدم سفر عائلته من الأرجنتين، إلى إيطاليا، لحضور مراسم تشييعه، في 21 إبريل 2025، يتماشى مع أفكار البابا فرنسيس وذكرت مصادر أن أفراد عائلته لم يشهدوا مراسم تشييعه لعدم توافر المال لديهم للسفر، تقول (فانيسا)، من عائلة البابا في الأرجنتين، «نحن لسنا شخصيات إعلامية، نحن عمال، ومثل معظم الناس، بالكاد نصل إلى نهاية الشهر، ولا نملك ما يكفي من المال».
(كريستينا)، بنت أخت البابا، فنانة، رسامة، مشهورة، وكاتبة، مُقيمة في مدريد بإسبانيا، وصفت نفسها بأنها «روحية» ولكن، «غير متدينة»، تقول: «أحترم دور خالي (البابا فرنسيس) الديني الروحي، وأعتقد أن الحياة قد وضعته لتجديد النظام الفكري الذي يعاني الركود»، والمقصود بذلك إصلاحات البابا التي زادت دور (الكنيسة والفاتيكان والدين) في المشهد السياسي، والمدني، والتطوعي، والإنساني، ومَنحتها، «الجاذبية» للأجيال الجديدة.
قبل أن يصبح «البابا» فرنسيس، كان «كاردينالاً» و«أسقفاً» في الأرجنتين، يعيش وحيداً في كنيسة قبالة القصر الرئاسي، ويُقابل الناس بشكل معتاد في المواصلات العامة، وينتقد الحكومة الأرجنتينية، دعا إلى استئصال الفساد وإصلاح العلل الاجتماعية، ومن أقواله:«هناك فقراء وأنتم جميعاً تستفزونهم»، فكانت علاقته«متوترة» مع إدارة الرئيسة الأرجنتينية كريستينا فرنانديز دي كيرشنر (2007 – 2015)، سياسيون أرجنتينيون اعتبروه«خصماً سياسياً»و«الزعيم الروحي للمعارضة» و«شريك الديكتاتورية»، إشارة إلى عدم مواجهة الكنيسة للحكومة العسكرية الأرجنتينية (1976–1983) علناً. في عالم الاستقطاب السياسي، إما أن تكون«عدواً» أو«صديقاً»، وهذه إشكالية. وقدم رجال الدين الأرجنتينيين عام 2000 «اعتذاراً جماعياً» عن «عدم أداء رسالة المسيح الاجتماعية التي تتطلب مواجهة النظام العسكري الحاكم».
الرئيسة الأرجنتينية كريستينيا صالحت البابا فرنسيس، الذي أصبح يمثل رمزاً كبيراً لبلادها، وزارته في الفاتيكان، مارس (آذار)2014، وكانت زيارتها بمثابة«اعتذار»، واستقبلها بابتسامته المعهودة، وباركها، وكان لقاءً عاطفياً دينياً سياسياً، أهدته«تراثيات أرجنتينية» وأهداها كتاباً عن«العدالة»، مع، إيماءات سياسية في أنه يتجنب المواجهات المباشرة التي تغذي الانقسام، مُفضلاً استمالة الحكومات وتوحيد جهودها لمساعدة الفقراء والمحتاجين. ودعا، إلى رعاية المهاجرين والفارّين من الصراعات والفقر والكوارث وحمايتهم وتعزيزهم ودمجهم، وانتقد سياسة الرئيس ترامب لترحيل المهاجرين غير القانونيين، ووصفها بأنها«عار» و«تمس الكرامة الإنسانية»، وأقام قداساً تاريخياً عند الحدود المكسيكية الأمريكية، في فبراير(شباط) 2016، سُميت«الصلاة العابرة للحدود»، وخاطب ترامب قائلاً:«من يريد بناء الجدران لا الجسور ليس مسيحياً»، وعارض خفضه للمساعدات الخارجية والاجتماعية، وانتقد أوروبا، مُحذراً من«التراجع الديمقراطي»، ودعاها للقيم المسيحية.
في خُطبه الوداعية، قبل وفاته، ركز على«يوم القيامة» و«الرجاء» و«العناية بالحياة» و«احترام نظام الأسرة» و«حرية التعبير»، وطالب الأغنياء بالتبرع، وقام، هو، بنفسه، بالتبرع لمشاريع تنموية توفر وظائف للسجناء لدمجهم في المجتمع كقوى عاملة، ودعا بالرحمة للمُتضررين من الحروب في الدول العربية، وأوصى بهم، وجدد دعوته لوقف إطلاق النار في غزة، وإجراء تحقيق عن الحرب فيها، وأرسل سيارته البابوية، ذكرى، وعيادة متنقلة، في القطاع.