هل سبق وقابلت شخصاً يمتلك قشوراً بسيطة من المعرفة في تخصص ما، ومع ذلك يتحدث بثقة مطلقة وكأنه بروفيسور خبير؟ وفي المقابل، هل لاحظت أن العلماء الحقيقيين والمبدعين غالباً ما يميلون للتواضع، ويستخدمون عبارات مثل ربما أو في حدود علمي، أو ربما يشكون في كفاءتهم أحياناً؟ الحقيقة هي أن العقل البشري، حين يفتقر للخبرة فإنه يفتقر أيضاً للأدوات التي تمكّنه من إدراك نقص خبرته.
إننا نقع في فخ وهم التميز، حيث يرفع الجهل من سقف الثقة بالنفس إلى مستويات خرافية، بينما تخفض المعرفة الحقيقية هذه الثقة، لأنها تكشف لك عن مدى اتساع ما لا تعرفه. أشهر دراسة وثقت هذا الخلل العقلي أجراها الباحثان جاستن كروجر، وديفيد دانينا، من جامعة كورنيل، تحت عنوان مثير: «غير ماهرين وغير مدركين لذلك». أجرى الباحثان سلسلة من الاختبارات لطلاب الجامعة في مجالات المنطق، والقواعد اللغوية، والفكاهة. وبعد كل اختبار، كان يجب على الطلاب أن يقيّموا أداءهم، عن طريق سؤالهم: من بين زملائك، في أي مستوى تضع نفسك؟ النتائج كانت مذهلة ومضحكة في آن واحد، حيث إن الطلاب الذين كانت نتائجهم في القاع (أقل 25%)، اعتقدوا بصدق أنهم من بين الأفضل، وقيموا أنفسهم بأنهم يتفوقون على 67% من زملائهم، أما الطلاب المتفوقون حقاً (أفضل 25%)، فقد فعلوا العكس، إذ قللوا من شأن أنفسهم واعتقدوا أن درجاتهم عادية، ظناً منهم أن ما هو سهل بالنسبة لهم، هو سهل على الجميع.
لماذا يثق الجاهل بنفسه؟ يفسر دانينا وكروجر ذلك بأن المهارات اللازمة لتقديم إجابة صحيحة هي نفسها المهارات اللازمة لتقييم تلك الإجابة. لذا، الجاهل يخطئ، ولا يملك المعرفة التي تخبره بأنه أخطأ. يذكر الباحثان هذه النتيجة الجوهرية في ملخص دراستهما: «الأشخاص غير المهرة في هذه المجالات، يصلون إلى استنتاجات خطأ ويتخذون خيارات مؤسفة، لكن عدم كفاءتهم تحرمهم من القدرة المعرفية على إدراك ذلك».
الدرس هنا هو التواضع. الحكمة الحقيقية ليست في ادعاء المعرفة، بل في الوعي بحدود ما تعرف. إذا وجدت نفسك واثقاً بنسبة 100% من رأيك في موضوع معقد، فربما أنت في قمة منحنى «دانينا- كروجر». تعلم أن تشك قليلاً في قناعاتك، وافتح الباب دائماً للتعلم، فالعلم يبدأ بعبارة لا أعرف، بينما الجهل ينتهي دائماً بأن تقول: أعرف كل شيء.
[email protected]
أعرف كل شيء
10 يناير 2026 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
10 يناير 00:07 2026
شارك